آداب دمنهور


 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كيف اختير أبو بكر للخلافة ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ملكة الاحزان
مشرف سابق
مشرف سابق


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : دمنهور
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الرابعة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامة
عدد المساهمات : 4153
العمر : 27
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: كيف اختير أبو بكر للخلافة ؟   الأربعاء 23 سبتمبر 2009, 00:14

كيف اختير أبو بكر للخلافة ؟



حدث هشام بن محمد عن أبي مخنف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قُبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعده فقالوا : نولي هذا الأمر بعد محمد عليه السلام سعد بن عبادة ، وأخرجوا سعدا وهو مريض ، فطلب سعد من ابنه أو بعض بني عمه أن يتلقى قوله ويسمعه الناس ، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال : يا معشر الأنصار ، لكم سابقة في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، إن محمدًا عليه السلام لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به من قومه إلا رجال قليل ، ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ولا أن يعزوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عموا به ، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه .... ثم ختم حديثة بقوله : استبدوا بهذا الأمر ، فإنه لكم دون الناس فأجابوه أجمعهم : أن قد وفقت في الرأي وأصبت ، ولن نعدو ما رأيت ، ونوليك هذا الأمر ، فإنك فينا مقنع ، ولصالح المؤمنين رضا .
ولم ينس الأنصار في غمرة شعورهم بالاعتزاز لما قدموه للإسلام أن الأمر ليس لهم وحدهم ، وان اختيار سعد لن يكون أمرا نافذا بدون موافقة إخوانهم من المهاجرين ، يدل على ذلك ما ذكرته الرواية من أنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش وقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأولون ، ونحن عشيرته وأولياؤه ، فعلامَ تنازعونا هذا الأمر بعد !
وهكذا ذكر نفر من الأنصار أكثر من حجة لقريش في طلب الخلافة بعد انتقال الرسول للرفيق الأعلى ، وسلموا لهم بهذه الحجج ، وطرحوا موقفهم في ظل هذه الحجج القرشية ، وهو اقتراح أن يكون أمير من قريش وآخر من الأنصار ، "منا أمير ومنكم أمير " وهذا هو ما منعهم من البيعة لسعد بن عبادة ، انتظارًا لمعرفة موقف المهاجرين ، وسماع رأيهم ، ولو لم يحضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى السقيفة بأنفسهم لاستدعاهم الأنصار أو ذهبوا إليهم لمعرفة رأيهم ..
وحين سمع عمر بن الخطاب بخبر هذا الاجتماع بادر إلى أبي بكر فاستخرجه من بيت رسول الله ، حيث كان مشغولا مع أهله بتجهيزه.
وتوجه معه إلى السقيفة ، فلقيا في طريقيهما أبا عبيدة بن الجراح ، ولما بلغوا السقيفة أراد عمر أن يبدأ الحوار مع الأنصار ، فطلب منه أبو بكر أن يترك له هذا ، وبدأ أبو بكر حديثة قائلا : إن الله بعث محمدًا رسولا إلى خلقه ، وشهيدًا على أمته ، ليعبدوا الله ويوحدوه ... فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به ، والمواساة له ، والصبر معه على أذى قومهم لهم ، وتكذيبهم إياهم ، وكل الناس لهم مخالف ، زار عليهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم ... فهم أول من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده ، لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام ، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ... فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفاتون بمشورة ، ولا نقضي دونكم الأمور .
ولم يزد أبو بكر فيما ذكره من حجج المهاجرين على ما ذكره الأنصار وتراضوه فيما بينهم ، وإن كان قد لمس قلوب الأنصار بثنائه عليهم ، وإشادته بدورهم ، وبيان أنهم في الدرجة الثانية بعد المهاجرين، وأنهم شركاء لمن سيتولى الأمر من المهاجرين ، ولن يمضي أمرا بدون رأيهم ومشورتهم ، ولذلك كان صدى خطاب أبي بكر طيبا في نفوس الأنصار الذين علموا أن اختيار رجل من المهاجرين لن يجعلهم بمنأى عن تسيير شئون الدولة ، وأنهم سيكونون وزراء لمن يتولى الأمر .
وإذا كان الرواة لم يحدثونا عن أثر خطاب أبي بكر على الأنصار إلا إننا نستطيع أن نلمس هذا الأثر في تلك اللهجة الحادة التي تحدث بها الحباب بن المنذر معقبا على حديث أبي بكر ، حيث قال مخاطبا قومه : يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم وظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم .
ولما كان الحباب بن المنذر يعرف أن ما ذكره لا يعطي لقومه الحجة في أن تكون الخلافة فيهم ، ولا يكسبهم حقا شرعيا يسلم به المهاجرون أو حتى الأنصار فقد دفعه الشعور بوهن حجته إلى أن يطرح فكرة الاشتراك في الخلافة ، فقال لقومه : فان أبى هؤلاء إلا ما سمعتم ، فمنا أمير ومنهم أمير .
وهنا يدلي عمر بن الخطاب بدلوه ، ويشترك في الحوار ، فيرد على الحباب بن المنذر مبيناً فساد رأيه ومذهبه قائلاً : هيهات ، لا يجتمع اثنان في قرن ، وأراد أن يبطل دعوى الحباب ومن كان على مثل رأيه من الأنصار ، فقال : والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع عن أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ... ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ، فأثرت كلمة عمر تأثيراً جديدا في نفوس الأنصار ، وصاروا أكثر اقتناعا بحق المهاجرين ، وما عدا الحباب بن المنذر الذي أصر على رأيه .. .
وشارك أبو عبيدة في هذا الحوار ، فلمس عقول الأنصار وقلوبهم أيضا عندما قال: يا معشر الأنصار : إنكم أول من نصر وآزر ، فلا تكونوا أول من بدل وغير.
وكان لبشير بن سعد الأنصاري ودوره في حسم هذا الحوار لصالح المهاجرين ، وتهيئة نفوس الأنصار للبيعة لمن يتقدم من المهاجرين ، فقد وقف يتحدث بلسان الأنصار فقال : إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين ، وسابقة في هذا الدين ، ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا ، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك ، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا .. ألا إن محمدا _ صلى الله عليه وسلم _ من قريش وقومه أحق به وأولى ، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا ، فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم .
وهذا موقف عظيم من بشير بن سعد ، ولا يقلل من عظمته محاولة بعض المؤرخين تشويه هذا الموقف ، وادعاء أن الباعث عليه حسد بشير لابن عمه سعد بن عبادة .
وكان مما ساعد على إجماع الأوس على تقديم المهاجرين ما رأوه من تشبث الحباب ونفر من الخزرج بالخلافة ، فقالا بعضهم لبعض : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا ً أبدا ً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر .
ويدل هذا القول على أن هؤلاء الأنصار الذين ارتضوا بيعة واحد من المهاجرين لم يكونوا يريدون أن الخلافة ستبقى للمهاجرين الأولين وحدهم ، وأنهم سيصبح لهم حظ فيها بعد موت المهاجرين .
وقد كان موقف الغالبية في السقيفة بعد هذا الحوار السابق في صالح المهاجرين ، ولم يبق مع سعد إلا نفر قليل من الخزرج ، تضامنوا معه عصبية له ، وكان هذا هو ما شجع أبا بكر على أن يملك زمام المبادرة لحسم هذا الحوار ، وإنهاء هذا النقاش، الذي بانت فيه الحجة ، ووضح الدليل لصاحب الحق ، فقال أبو بكر : هذا عمر ، وهذا أبو عبيدة ، فأيهم شئتم فبايعوا ، فقالا : لا والله ، لن نتولى هذا الأمر عليك ، فإنك أفضل المهاجرين ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ، وخليفة رسول الله على الصلاة ، والصلاة أفضل دين المسلمين ، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك. ابسط يديك نبايعك ، ولما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه ، وقامت الأوس فبايعوه .
وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر ، وكادوا يطئون سعد بن عبادة ، ويدل هذا على أن الأنصار ـ قبل المهاجرين ـ قد اتفقوا على بيعة أبى بكر ، وأن الغالبية العظمى من الأنصار الذين حضروا اجتماع السقيفة اقتنعوا بما سمعوا من حجج المهاجرين ، وبادروا إلى بيعة أبى بكر ، وهكذا يتضح لنا من كل ما ورد من أخبار السقيفة أنه لم تكن هناك معارضة ذات منطق مقبول لتولى المهاجرين الخلافة ، وأن هذه المعارضة انحصرت وتمثلت في أفراد معددين من الخزرج على رأسهم الحباب بن المنذر ، الذي كان أكثر تحمسا لاختيار سعد من سعد نفسه ، وقد ظهر ذلك من أقواله السابقة ، وتعقيبه على ما سمع من حديث لأبى بكر وعمر .
ولذلك فلست أرى محلاً لهذه العبارة التي نقلها الطبري في روايته عن هشام عن أبي مخنف ، حيث تقول : فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم ؛ لان هذه العبارة توحي بل تدل على أن الخزرج كانوا لا يزالون مجمعين على البيعة لسعد ، حتى بايع الناس لأبي بكر فانكسر بذلك عليهم أمرهم، وهذا غير صحيح .
كما يتضح لنا أيضا أن ما جرى في السقيفة لم يكن أبدا نزاعا بين الأنصار والمهاجرين ، ولم يخرج عن دائرة الرأي والرأي الآخر ، ولم يتجاوز حدود الإقلاع بالدليل والحجة ، ولم يشبه شائبة من التلويح بالقوة أو التهديد باستخدامها .
وهناك بلا شك عوامل ساعدت على سرعة الحسم في هذا الحوار ، والاتفاق في الرأي ، بالرغم من أهمية القضية المطروحة للنقاش ، وفى نفس الوقت حالت بين هذا الحوار الهادئ العاقل وبين أن يتحول إلى تشبث بالرأي وتعصب للهوى .
وأول هذه العوامل ارتباط وجهات نظر الطرفين بالإسلام ، وبالدور الذي أدوه من أجله ، وبهذا دار الحوار حول محور واحد ، ووزنت الأمور بميزان واحد حتى بدت الكفة الراجحة ، فلم يلجأ أي من الطرفين إلى قيمة مادية أو عنصرية أو قومية بالمعنى المعروف وقتئذ لمفهوم القومية ، ولو حدث ذلك لما كان من الممكن حسم هذا الحوار بغير قتال يحتكم فيه الطرفان إلى حد السيف .
والعامل الثاني في حسم هذا الحوار أن أيا من الطرفين لم ينس فضل الله عليه حين هداه إلى الإسلام ، ولم يلج به الهوى وحب الذات إلى الفخر بهذا الدور الذي نهض به من أجل دينه ، وإنما كان مقرا بفضل الله ، وهذا ما قاله سعد لقومه : "حتى إذا أراد بكم الفضيلة ، ساق إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة ، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله .
والعامل الثالث أن كلا من الطرفين المتحاورين كان متحررا من الهوى والغرض ، باحثا عن الحق والمصلحة العامة ، فلم يكن من العسير عليه أن يتفهم وجهة نظر الآخرين ويقبل حجتهم ، وأن يبادر بترك ما يهوى ، متى تبين له أن الحق ليس فيما يراه، وأن الحجة مع الجانب الآخر .
العامل الرابع أن كلا الجانبين كان له رصيد من العمل الطيب والجهاد المشكور ، لا يسهل عليه التفريط فيه ، وقد دفعهم إدراكهم لقيمة هذا الرصيد أن يتساموا به من كل ما قد ينتقض منه من قول أو فعل .
وحضرت القبائل من حول المدينة لتشارك في البيعة لأبي بكر ، فأقبلت "أسلم " بجماعتها حتى تضايقت بهم سكك المدينة ، وهكذا جمع الله الذين ثبتوا على إسلامهم من العرب على أبي بكر ، ولذا قال عمر وهو يقدم أبا بكر للبيعة العامة : إن الله قد جمع أمركم على خيركم ، وقد سئل سعيد بن زيد _ رضي الله عنه _ هل خالف أحد على أبى بكر ؟ قال : لا ، إلا مرتد أو من كاد أن يرتد ، ثم سئل مرة أخرى : هل قعد عنه أحد من المهاجرين؟ قال : لا ، تتابع المهاجرون على بيعته من غير أن يدعوهم.
واستناداً إلى ما سبق ينبغي أن تُردّ تلك الرواية التي أخذها الطبري عن الزهري ، والتي ذكرت أن علياً ظل ستة أشهر لم يبايع أبا بكر ، حتى ماتت فاطمة .
ويذكر الطبري في رواية أخري عن سيف أن علياً كان في بيته حين أتى فقيل له : جلس أبو بكر للبيعة فخرج في قميص ما عليه أزار ولا رداء عجلا ، كرهبة أن يبطئ عنها حتى بايعه ، ثم جلس إليه ، وبعث إلى ثوبه فأتى به ، فتجلله ولزم مجلسه ، كما يذكر روايتين أخريين ، تصدى فيها علي لأبي سفيان عندما قال : ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ، فقال له علي : يا أبا سفيان ، طالما عاديت الإسلام وأهله ، فلم تضره بذلك شيئاً ، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا ، وتذكر الرواية الثانية أنه زجره قائلا : إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شرا ، لا حاجة لنا في نصحك .
خطبة أبى بكر بعد البيعة :
وبعد أن تلقى أبو بكر البيعة من عامة الناس في مسجد رسول الله تحدث إليهم في خطاب قصير ، حدد فيه سياسته في معاملة الرعية ، وحث الناس على الجهاد في سبيل الله ، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله : أيها الناس ! إني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسئت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ، لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله ، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي عليكم .
ومن هذه الخطبة القصيرة ، يمكن استنباط مبادئ مهمة عن حقوق الإمام وواجباته نحو الرعية :
أما حقوقه فأولها الطاعة بشرط طاعته لله ورسوله ، فإذا خالف الإمام شرع الله فلا طاعة له .
وثانيها أن يقدموا له العون والمساعدة على النهوض بمسئوليته المتعددة ، بشرط أن يحسن النهوض بهذه المسئوليات ، أما إذا أساء فعليهم أن ينصحوه ويردوه إلى الصواب ، فهم شركاؤه في المسئولية العامة .
وأما واجبات الإمام فأولها أن يحصل كل ذي حق على حقه ، وثانيهما أن يتساوى أمامه الضعيف والقوي ، بل يصبح الضعيف صاحب الحق أقوى من القوي حتى يرد إليه حقه .
ويدل هذا الخطاب على أن جوهر نظام الحكم في الإسلام هو الشعور بالمسئولية من جانب الحاكم ومن جانب الرعية على السواء ، وعلى الذين يزعمون أن نظام الحكم في الإسلام نظاماً إلهيًا مقدساً أو " ثيوقراطياً " أن يعيدوا قراءة هذا الخطاب ، حتى يكتشفوا ما هم فيه من وهم أو ظن خاطئ ، فأي نظام من نظم البشر الآن يسمح للرعية أن تحاسب الحاكم على عمله كله ، وأن تقومه إذا أخطأ ؟ وأي نظام من نظم البشر الآن يشترط فيه الحاكم على نفسه شروطاً ليكون له حق الطاعة من جانب الرعية ؟
وقد أضاف أبو بكر إلى هذه المبادئ الدستورية التي تضمنها خطابه مبدأ آخر حين جعل حقوق المسلمين في الفيء متساوية ، سواء منهم من سبق إلى الإسلام ومن تأخر عنه ، وسواء منهم العربي وغير العربي ، والقرشي وغيره ، وقد جاءه نفر من السابقين يسألونه عن موقفه هذا فقالوا : يا خليفة رسول الله إنك قسمت بين الناس ، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم ، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم ، فقال : أمّا ما ذكرتم من الفضل ومن السوابق والقدم فما أعرفني بذلك ! وإنما ذلك شيء ثوابه على الله ، وهذا معاش ، والأسوة فيه خير من الأثرة .
وطبق أبو بكر مبدأ المساواة على نفسه قبل أن يطبقه على الآخرين ، فكان يأخذ حظه من الفيء كرجل من المهاجرين ، ولما كان هذا الحظ من الفيء لا يكفي معيشته وأهله فقد استمر يذهب إلى السوق ، ويباشر التجارة ليعول أهله ، واستمر ذلك ستة أشهر ، ثم وجد أن اشتغاله بالتجارة سيكون على حساب مصالح المسلمين وحاجاتهم ، فقال : لا والله ما تصلح أمور الناس مع التجارة ، وأخذ من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم ، وما يحج به ويعتمر ، فلما حضرته الوفاة قال لأهله : ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً ، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم.
وهكذا رد أبو بكر ما أخذه من مال المسلمين ، وهو يعرف أنه حلال له ؛ لأنه لم يأخذ إلا قدر حاجته الضرورية ، ولكنه الورع عن مال المسلمين ، والرغبة في أن يكون عمله خالصاً لوجه الله ، يبتغي به مثوبته ورضوانه.
المصدر : موقع التاريخ








لا تعــــــــــــليق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كيف اختير أبو بكر للخلافة ؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
آداب دمنهور :: منتديات التاريخ الاسلامى :: منتدى التاريخ الاسلامى-
انتقل الى: