آداب دمنهور


 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 نحو رؤية قومية عربية معاصرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: نحو رؤية قومية عربية معاصرة   الأحد 05 أكتوبر 2008, 14:22




نحو رؤية قومية عربية معاصرة





مازالت الأمة العربية تنتقل من إخفاق إلى إخفاق، إذ نعيش اللحظة التي تلتقي فيها النهاية مع البداية، والتي تمتد جذورها في عمق التاريخ الحديث، تاريخ الأزمة الواقعية التي تعيشها المدنية العربية ذاتها، بما هو تاريخ استبعاد الأمة من ساحة المبادرة والفعل والمشاركة العالمية. والأزمة العربية الشاملة المفتوحة هي من تلك الأزمات التي تتقلص فيها الخيارات إلى اثنين لا ثالث لهما: إما الغرق في الأزمة والدخول في مسلسل من التدهور والفوضى والانحلال والضياع. وإما تجاوزها إلى وضعية جديدة تماما، انطلاقا من التفكيك الواعي للوضعية القائمة المأزومة والشروع في عملية بناء جديدة، بمنطلقات واستشرافات جديدة كذلك. وحتى نجدد الخطاب القومي ونجعله خطابا معاصرا وقابلا للحياة وصانعا للمستقبل ورافدا للتجديد فإنّ علينا إعادة صياغته بروح العصر ومستجدات الواقع.

إنه من المفارقات الملفتة للنظر أنّ القضايا الأساسية، التي شكلت عماد فكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، مازالت حية قائمة كمطالب وطموحات عربية مع بدايات القرن الواحد والعشرين. والسؤال هو: لماذا هذا الانفصال بين الخطاب المُعلَن والممارسة السياسية في المشروع العربي خلال التاريخ المعاصر ؟ هل ثمة تعارض بين مصالح وطموحات المحكومين والحاكمين ؟ هل ثمة تعارض بين خطاب الوحدة والتقدم وإرادة النخب الحاكمة ؟ هل ثمة انفصام بين القول والعمل لدى التيارات السياسية العربية ؟ هل ثمة قصور في وعي الأحزاب السياسية في العالم العربي لدور العوامل الخارجية ولدور العوامل الداخلية فيما آلت إليه حالة العجز العربي ؟

وفي الواقع، يصعب على المرء أن يحدد صورة المستقبل، ولكن يمكنه أن يحدد الشروط التي يجب توافرها من أجل التعاطي المجدي مع معطيات الحاضر. فإذا لم نحصل على التقدم الذي نأمله، فعلى الأقل يمكننا وقف التأخر الذي نتخبط فيه. ذلك أنّ الخطر الأساسي الذي يداهمنا هو ازدياد الهوة بيننا وبين القوى الدولية القادرة. وفي المعترك العالمي المعاصر، يجب أن يكون همنا الأول بناء القدرة الذاتية العربية، لأنّ الصراع على المستوى العالمي صراع بين قدرات، والغلبة لمن هو أقدر.

وفي كلمة أخرى، علينا أن نواجه سؤالا رئيسيا: هل نريد أن نعيش في هذا العصر، أم نبقى سادرين في عصور سابقة ؟ فإذا أردنا أن نعيش في هذا العصر علينا أن نفهم ما هي مناهج هذا العصر، إذ لا يمكن أن يقوم من أبناء هذا العصر من يفكر ويسلك في حياته سلوكا قبليا وعشائريا، كذلك لا يمكن أن يعيش في هذا العصر من يريد أن يتقوقع على نفسه ويفكر تفكيرا طائفيا ومذهبيا وانعزاليا، لأنه عصر التجمعات الكبرى. لا يمكن أن يعيش في هذا العصر من يتوجه في تفكيره توجها رجعيا، فلنتساءل هل نحن نعدُّ أنفسنا لكي نعيش في هذا العصر والعصور التالية أم راضون بما نحن عليه ؟ الإجابة لا تكون بإطلاق الشعارات وإنما بالصياغات الأساسية التي تتناول التفكير والسلوك الفرديين، وكذلك كافة البنى والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والثقافية.

على هذا، ليست العروبة اليوم بخير، ولا هي قادرة على ان تكون، بما هي عليه، مسلكا مجديا للمستقبل، ذلك أنّ نماذجها وتطبيقاتها لا يمكن إلا أن تبقيها مشروعا في اللاوعي العربي، إذا هي بقيت من دون مشروطية متجددة تحدد معالمها وإمكاناتها بواقعية، وتقيها شرور الانجراف نحو الماضوية والتحجر.

إنّ المقاربة العقلانية النقدية التي نعتمدها بشجاعة، في كل كتاباتنا ومواقفنا، هي التي سترتفع – كما نعتقد - بالفكر القومي من المستوى التبشيري العاطفي القيمي، إلى مستوى القاعدة السياسية الثابتة في الفكر السياسي القومي، وإلا فسنكون كمن يدخل عالم الألفية الثالثة وهو يحرث الماء. فالباحث في الفكر السياسي عليه أن لا يغفل: أولا، شبكة المصالح الواقعية، خلال نقده للواقع العربي، وإلا بقي أسير التبشير العاطفي الرومانسي. وثانيا، أنّ مآزق المجتمعات العربية، هي بحد ذاتها مآزق الفكر السياسي في العالم العربي.

ويخطئ من يعتقد أنّ المسألة تنحصر في خطاب إيديولوجي معين، فتيارات الأمة كلها معنية بصياغة خطاب عربي عصري يتضمن أصالة شعوبنا، ويستوعب مجمل التوجهات الحضارية والمدنية المعاصرة، ويستشرف مصالح وأهداف الأمة. وإننا إذ نمارس النقد العلمي للوعي القومي العربي التقليدي نطمح إلى تصفية كل ما هو متأخر فيه لربطه بالكونية والتقدم والديمقراطية، لأنّ هذا المضمون يشكل النقطة المركزية للمسألة القومية العربية. فالخطاب القومي يجب أن يرتفع إلى مستوى التحديات التي تجابهه، فالوحدة القومية مثلا ليست مجرد تجميع لأجزاء العالم العربي، من خلال أزلية الروح الخالد، بل هي محصلة لسيرورة تاريخية، ثقافية وحضارية، بما يحقق الشرط التاريخي لقيام الدولة القومية الواحدة.

التغيّرات العالمية وإمكانية نهوض موجة قومية جديدة

تؤكد تجارب التاريخ البشري أنّ النزوع القومي تجدد دوما خلال التحولات الكبرى التي شهدتها المجتمعات البشرية. وعليه فإنّ التغيّرات العالمية الجديدة، خاصة تحولات العلاقات الدولية بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وتداعياتها، تطرح إمكانية نهوض موجة ثانية للقومية في العالم، ستواجهنا بتساؤلات جديدة، وتحديات جديدة أيضا، مما يتطلب قدرا كبيرا من العمق في المراجعة ونقد الذات وإعادة الصياغة الفكرية والسياسية لقضايا المسألة القومية العربية، باعتبارها تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بتجسيد وحدة المصير العربي كمنطلق للنهوض الحضاري، وهو ما يفترض مهمات إنجاز الوحدة العربية، وإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بما فيها حقه في إقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني بعاصمتها القدس الشرقية، وبما يضمن تحرر العراق ووحدته واستقلاله، وممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع، منطلقين من أنّ مسألة إنجاز الدولة الحديثة هي جوهر تلك القضايا.








في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: رد: نحو رؤية قومية عربية معاصرة   الأحد 05 أكتوبر 2008, 14:26




وتبدو أهمية إعادة طرح قضايا المسألة القومية العربية، من وجهة نظر تحاول أن تكون جديدة، حين نعرف أنّ القرن الواحد والعشرين سوف يشهد إعادة طرح واسعة لمشكلة الأمة والقومية. ففي الوقت الذي ينزع فيه العالم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يتعولم وإلى أن يخترق حدود الدول وسياداتها، وفي الوقت الذي تتعاظم فيه التبعية المتبادلة ما بين أمم العالم سياسيا و اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا، وفي الوقت الذي تتسارع فيه حركة الرساميل والبضائع وتتضاعف السيولات المالية العابرة للقومية، وتتحكم الشركات المتعددة الجنسيات في الاقتصاد العالمي إنتاجا واستهلاكا. وبكلمة واحدة في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى " قرية كبيرة "، في هذا الوقت يُرَّدُ الاعتبار، على نحو لم يسبق له مثيل، إلى عدة مصطلحات قومية مثل: الهوية، والأصالة، والخصوصية. وتدبُّ حيوية في النزعات القومية التي يبدو أنّ قلق العولمة قد أيقظها في كل مكان من العالم.

كما أنّ العالم يتجه نحو قيام تكتلات بشرية كبرى، سواء على مستوى إقليمي أو قاري، تشكل مجالا حيويا في الاقتصاد، وعنصرا رئيسيا في الأمن، وضمانة فعلية للاستقلال السياسي، وشرطا ضروريا للتحرر من الهيمنة الخارجية. وقد أصبح واضحا أنه في عالم اليوم لا مكان للشعوب والدول الصغيرة التي لا تنضوي في كتل بشرية ضخمة تزيد في عددها عن مائة مليون نسمة على الأقل، وتزيد في مواردها عن حجم معين يمكّنها من الصمود والاسقرار.

وأخيرا، من المؤكد أنّ دور النزعة القومية في أوائل القرن الحادي والعشرين، مقارنة بدورها السابق، سيبدو منحسرا من زاوية حملها للتغيير التاريخي. فقد تمَّ إضعاف دور " الاقتصاديات القومية " حتى صار موضع تساؤل بفعل التحولات الكبرى في التقسيم الدولي للعمل، الذي تشكل المشروعات العابرة للقوميات من كل الحجوم وحداته الأساسية، وما يقابلها من تطور للمراكز والشبكات العالمية للتبادلات الاقتصادية التي تقع، لأغراض عملية، خارج سيطرة حكومات الدول.

كل هذا، صار ممكنا بفعل الثورات التكنولوجية في النقل والاتصال، وبفعل عهد طويل من الانتقالات الحرة لعوامل الإنتاج والأفكار فوق مساحة شاسعة من الكرة الأرضية، التي نشأت منذ الحرب العالمية الثانية، وتبلورت - أكثر فأكثر - في تسعينيات القرن العشرين. ومن المؤكد أنّ الأمم والحركات القومية، خاصة المضطهَدة منها، ستكون حاضرة في هذا التاريخ، ولكن بأدوار ثانوية، على الأقل في الأفق المنظور.

ويبقى السؤال عن مكانة العرب في ظل العولمة سؤال عن مكانتهم عموما في التاريخ، وبكلمة واحدة فإنه دون أن ينجز العرب " الدولة ـ الأمة " فلن يكون لهم مكان لا في العولمة ولا بعدها، كما لم يكن لهم مكان من قبل العولمة. إنّ فكرة الدولة ـ الأمة بدأت تظهر جديتها وأهميتها في ظل العولمة أكثر من ذي قبل بسبب التناقض الكبير بين السلطات السياسية والمجتمعات العربية، فالمجتمعات العربية تنتمي زمنيا، بصورة ما نسبية، إلى عصر العولمة فيما النظام السياسي في الوطن العربي ينتمي إلى مرحلة ما قبل الرأسمالية. إذ يبدو أنّ السلطات السياسية العربية وخطابها ومفرداتها وعلاقتها بالعالم أصبحت عقبة أمام الطبيعة التوحيدية للعولمة، ففي حين يتجه العالم ليصبح " قرية كونية " صار أولى بالقيادات العربية أن ترى العرب " قرية واحدة "، وبالتالي تبدو المسألة هنا سياسية – أساسا - وليست حضارية أو أخلاقية أو اجتماعية فحسب.

أهم أخطاء التيارات القومية

يتجه مفهوم الحركة القومية العربية إلى التعبير عن معنيين: أولهما، معنى واسع، يسهل على الباحث أن يكتشفه في معظم الكتابات الخاصة بالتراث القومي العربي، حيث يترادف مع التيار الفكري والسياسي للقومية العربية، الذي يتوسع بعض الباحثين العرب في الحديث عن نشأته وجذوره فيعودون إلى فترة الجاهلية لإثبات قومية العرب وسعيهم إليها منذ ذلك التاريخ، والبعض يتحدث عن الجذور الإسلامية. وثانيهما، معنى ضيق، أكثر واقعية، يشير إلى الواقع السياسي والاجتماعي الذي دفع العرب، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى الحديث عن ضرورة توفّر هوية سياسية لهم. وهذا المعنى ينطبق على البداية الحقيقية لنشأة القومية العربية، حيث كانت - آنذاك - تعبيرا عن حركة سياسية مناهضة للحكم العثماني، ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية، التي مرت بها الأمبراطورية العثمانية آنذاك، على إثرائها وبلورتها.

وهكذا فإنّ مشروع النهضة العربية الحديثة قد استقى أغلب مفاهيمه وطموحاته وشعاراته من كتابات وتجربة الحداثة الأوروبية، فـ " لم يكن هناك في فضاء الفكر والثقافة والسياسة في العالم العربي، قبل احتكاكه بالحداثة الأوروبية، ما يمكن أن يعتبر خميرة أو جنينا لشعار " الاتحاد والترقي " الذي جعل منه المشروع النهضوي العربي قضيته الأساسية، إن لم تكن الوحيدة، ذلك لأنّ هذا الشعار نفسه هو مجرد ترجمة واقتباس لأحد شعارات الحداثة الأوروبية ".

وفي هذا السياق يجدر الانتباه إلى الاختلاف الجوهري بين مشروع الحداثة الأوروبية ومشروع النهضة العربية، من حيث أنهما لم يكونا " ينتميان إلى لحظة تاريخية واحدة، لم يكونا يعكسان نفس المرحلة من التطور. ذلك أنّ مرحلة الحداثة قد قامت في أوروبا القرن التاسع عشر بعد مرحلة " الأنوار " في القرن الثامن عشر، التي قامت هي نفسها بعد مرحلة النهضة الثانية في القرن السادس عشر، والتي سبقتها نهضة أولى في القرن الثاني عشر". ومعنى ذلك أنّ مشروع النهضة العربية كان عليه أن يتعامل مع " حداثة " استوعبت وتجاوزت " الأنوار" و " النهضة ".

إنّ الإيديولوجيا القومية العربية، بتفاوت بين حركاتها وتياراتها السياسية، لم تدرك - بعمق - مفاعيل الهيمنة الأمبريالية وقوانين عملها في العالم العربي، ليس كونها عاملا خارجيا فحسب، بل - أساسا - دورها في إعادة صياغة البنى الداخلية العربية لتكريس التجزئة. فبالرغم من إدراك هذه التيارات لضرورة التحديث والتنمية لكنها استنكفت عن الأخذ بالمضمون المعرفي والبنيوي للتحديث، حيث وقعت في " التلفيق " حين استخدمت مفهوم التحديث ولكنها قطعته عن أصوله المعرفية في آن واحد. فالوسطية الانتقائية بقيت خيارا، في النظر والعمل، لدى هذه الحركات.

كما أنّ أغلب مفكري الحركات القومية العربية ضغت عليهم النزعة الثقافوية، فأهملوا التنظير للدولة القومية، فقد كان اهتمامهم منصبّاً على التجزئة القومية وضرورة الوحدة العربية أكثر من اهتمامهم بقضية الدولة، التي حلموا بتحقيقها، فبقيت قضية التنظير للدولة قضية تابعة للقضية " الأصل " وهي الأمة. والأصل في هذا التقصير أنهم انطلقوا من أنّ الدولة العربية القطرية الحديثة " معوّق " للدولة العربية الواحدة، لأنها " تكرّس " الأمة داخل الحدود القطرية. وأساس الخطأ هو أنّ التيار القومي، خاصة عندما وصل بعضه إلى السلطة، لم يعطِ المسألة الديمقراطية اهتماما يُذكر، بل أنه كان ينظر إليها كعائق أمام التنمية، وأمام دور الحزب " الواحد " أو " القائد ". فالتعددية الفكرية والسياسية، وتنوّع المجتمع العربي قوميا وطائفيا وطبقيا، كانا يعنيان " الانقسام " و " التجزئة "، فلم يرَ التيار القومي فيهما مصدر إغناء للتجربة القومية.

لقد اهتم العرب بـ " مظاهر السلطة " أكثر مما اهتموا ببناء مرتكزات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، فالبلدان العربية استوعبت المظاهر الهيكلية لجهاز الدولة ولعملية التبقرط، ولكنّ مفهوم الدولة نفسه، بما هو حق وقانون ومؤسسات ومواطنة، ظل شبه غائب. ويبدو أنّ مكمن الإشكال راجع إلى أنّ الدعوة القومية العربية، بالرغم من الزخم الذي واكبها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي خاصة، لم تبدع آليات تحققها وإنجازها في معترك التاريخ.








في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: رد: نحو رؤية قومية عربية معاصرة   الأحد 05 أكتوبر 2008, 14:31

نحو إعادة هيكلة الفكر القومي وطرح قضاياه

بعد أن انهار عالم كامل من الوقائع والأحلاف والمسبقات والمفاهيم والمبادئ والأوهام، لا بدَّ من مراجعة فكرية جذرية للخطط والسياسات والمُثُل والعقائد والأفكار التي بلورت الإخفاق العربي وقادت إليه. إنّ القطيعة المطلوبة مع الفكر والإشكاليات والأطروحات القومية القديمة تفترض الإمساك بالجوهر والإحالة إليه، والامتناع عن الدخول في التفاصيل. إضافة إلى أنّ إعادة هيكلة هذا الفكر تقتضي تعيين المحاور والمستويات التي تستدعي إبراز المشاكل والأزمات التي كانت الحركة العربية تخفيها أو تمر عليها مرور الكرام. وإذا كان وضوح الرؤية شرطا ضروريا لنجاح أي عمل، فإنّ الرؤية الواضحة " لا تنبثق إلا عبر قطيعة مع الرؤى القديمة و(محاولة) تصفية الحساب معها نهائيا ". باعتبار أنّ الحق قبل الاعتقاد، والعلم والمعرفة قبل الإيديولوجيا، والواقع الموضوعي قبل الميل الذاتي والتفكير الرغائبي. إضافة إلى أنّ الفكر السائد في العالم العربي - بشكل عام – يكاد يغلب عليه الطابع الإيديولوجي الخالص، إنه يتسم بالهشاشة النظرية التي لا تتيح الامتلاك المعرفي لحقائق الواقع وضروراته واحتياجاته وحركته المستقبلية، ولهذا فهو أقرب إلى تكريس الواقع القائم وإعادة إنتاجه.

لقد تبلورت رؤيتان عربيتان مختلفتان لمفهوم الأمة: أولاهما، تلك التي تنظر إلى الأمة بالمعنى التقليدي ( الأمة = الملة )، تلك التي تنظر إليها بوصفها عملية استعادة للماضي، الذي يُختزَل إلى لغة مقدسة، أو تاريخ مُؤَقنَم ومُنتَقى ومُجَزّأ، أو إلى " جوهر" عربي ميتافيزيقي محلّق فوق التاريخ، ومتجسد في " رسالة خالدة ".

وثانيتهما، تلك التي تنظر إلى المشروع القومي في منحى عصري ومستقبلي، ليس همه استعادة الماضي، بل بناء المستقبل على ضوء الخبرات التاريخية للماضي، وعلى أسس الحاضر، وتعيد الاعتبار إلى دور الدولة القومية في بناء الأمة وتطويرها، ولا تحصر دور الدولة في مجرد تتويج المسار القومي. والواضح أنه لا يمكن للأمة أن تستكمل وجودها بالفعل إلا بالدولة، فالدول طوال تاريخ الإنسانية إما خلقت الأمة تماما أو أطّرت قدراتها أو عزّزت مقوّماتها. ولا شك أنّ ثمة فرقا كبيرا بين " قيام الدولة " و " وجود الأمة "، فالأمة العربية موجودة بالإمكان وعوامل وجودها قائمة، والتجزئة ليست ناتجة عن عدم اكتمال عوامل وجود الأمة، بل عن السيطرة الأمبريالية، وعن تشكّل مصالح قطرية، إضافة إلى معوّقات بنيوية اقتصادية واجتماعية وثقافية وجغرافية.

وفي الواقع، لا يمكن التحدث عن مفهوم معاصر للعروبة إلا إذا اشترط عليه أن يشهد تحوّلا كيفيا يمتلك من خلاله بعض السمات، ويحيط نفسه بمجموعة قرائن تجعل من العروبة مقولة مقبولة من جماهير العرب ونخبها، بما عليها أن تشكل في طياتها من مخزون يحوي قدرا من التحرر والديمقراطية والتنوع. وإذا كانت بعض التجارب التاريخية تدلنا على أنّ الوحدة القومية هي عملية تستبق المفاهيم التي تحكم البنية الآخذة في التكوّن، وقد يكون ممكنا حصولها بالقوة أو تحت ضغط الإرادة الجماهيرية أو في مواجهة عدو مشترك، إلا أنه في زمن اتحاد الديمقراطيات بات للوحدة شروط تسبقها وإجراءات على الشعوب اتخاذها. لأنه، ببساطة، ما يطرح اليوم هو اتحاد دول وكيانات مستقلة وليس وحدة أمبراطورية. وإذا كان من الطبيعي أن تنتشر العروبة في فترات تمددها، إلا أنّ القرن الماضي شهد ما يشبه التموضع لهذا المفهوم في اللاوعي العربي، حيث اكتفت الجماهير بحالة التضامن المعنوي والمادي في بعض الأحيان على حساب الإنجازات العملية على الأرض وذلك برغم محاولات التوحد المتعددة. لقد دخلت العروبة في مخيال الأمة وسكنت أحلام الجماهير على أنها البديل من واقع الحال المتردية من تشرذم سياسي وضعف اقتصادي، وبقيت العروبة على حالها منذ ذلك الحين مفهوما يجسد الهوية والانتماء، ومشروع وحدة قوميا اقتصاديا تنمويا، كلما مر الزمن كان يقترب إلى الحلم أكثر منه إلى الواقع.

بين عروبة الخمسينيات من القرن العشرين وعروبة اليوم نصف قرن استُهلكت خلاله القيم الشمولية، وبرزت فيه الديمقراطية مفهوما يستعاض به عن العصبوية الموحِّدة والمكوِّنة للدول والمجتمعات، وأظهرت التعددية قدرتها على أن تكون فعل انسجام ودافعا محركا للوحدة الوطنية تحت رعاية الدولة والمؤسسات، ولم يعد الصراع القومي مع العدو يشكل وحده دافعا كافيا لإرادة التوحد، بل باتت شروط الوحدة أكثر تعقيدا، هذا كله والنظام السياسي العربي على حاله.

على العروبة اليوم أن تفعّل التثاقف الحضاري وأن تميّز بين القيم الغربية كجزء من القيم الإنسانية العامة وبين التدخل الغربي كمشروع سيطرة على مصادر الثروة يخدم التراكم الرأسمالي في الغرب. على العروبة اليوم أن تكون مشروعا تنمويا اقتصاديا واجتماعيا ومشروعا علميا تكنولوجيا، وعليها أن تكون مشروع حرية في مجالات الإعلام والثقافة والفكر، وعليها حماية واحتضان المجتمع المدني.



إنّ الإشكاليات السابقة تفرض علينا أن نعيد طرح قضايا المسألة القومية العربية، وخاصة الوحدة والتجزئة، على نحو جديد، منطلقين من أنّ مسألة إنجاز الدولة الحديثة هي جوهر تلك القضايا. ومن هنا تبدو أهمية تجديد الخطاب النهضوي العربي على قاعدة: أنّ الدولة الوطنية/القطرية الديمقراطية تشكّل أساس دولة الأمة الحديثة. لذلك نعتقد أنّ الحاجة تزداد إلى بحوث ودراسات عديدة، تتناول إشكاليات المسألة القومية العربية من الوجهتين التاريخية والنظرية، وقد يساهم ذلك في منح الوعي والعمل السياسيين رؤى مستقبلية مفيدة. وتبدو أهمية ذلك، إذا عرفنا أنّ استعمال المفاهيم والمصطلحات قد أُحيط بالغموض والالتباس في العالم العربي، فاستُعملت المفاهيم في غير محلها، وساد الاضطراب بعضها الآخر. فمفاهيم مثل: الأمة، القومية، الوطن، الحركة الوطنية، الحركة القومية، لم تُستعمَل بدلالاتها الحقيقية دائما. ولم يكن هذا الخلط للمفاهيم بريئا تماما، بل ارتبط - في أغلب الأحيان - بتغطية موقف سياسي لدى استعمالها. ومن هنا يبدو أنّ الفكر العقلاني النقدي، المستوعِب لحصاد التجربة العالمية، والمنفتح على كل التيارات الفكرية والسياسية العربية، يمكنه أن يتجاوز الصعوبات المنهجية بتحديد المصطلحات والمفاهيم منذ البداية، وهذا ما نطمح إليه.








في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: رد: نحو رؤية قومية عربية معاصرة   الأحد 05 أكتوبر 2008, 14:34



ومن هنا تبدو أهمية العقل الحضاري الحديث الذي زوّدنا ليس بتصورات عامة فقط، بل بطريقة لقراءة الواقع، بطريقة من أجل أن نعرف. ولا شك أنّ أهم عنصر في هذه الرؤية هو ربط التاريخ بالحضارة، وتحرير الوعي التاريخي العربي من إشكالياته الماضية التي كانت تدفعه إلى الاكتفاء بما هو عليه، وإلى الشعور بصلاحية أنظمته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي النظر إلى نفسه في إطار الحركة الكونية العامة. ولا شك أيضا أنّ فهم التاريخ هو الشرط الأول لفهم عملية إعادة الانخراط فيه والعودة إليه، خاصة بالنسبة للجماعات التي شعرت بأنها مُستبعَدة منه، وقد أدرك رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر هذه الحقيقة، فها هو خير الدين التونسي يقول: سمعتُ من بعض أعيان أوروبا ما معناه: " إنّ التمدّن الأوروباوي تدفّقَ سيلُه في الأرض فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع، فيُخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيار إلا إذا حَذَوهُ وجَرَوا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق ".

ومن هنا تبدو أهمية إعادة صياغة المفاهيم النظرية المرتبطة بالمسألة القومية العربية، وتمييز الثقافة، الموجهة إلى حقل أوسع بكثير من السياسة بمعناها التحزبي الضيق، عن السياسة. ولعل اتخاذنا هذه المسافة النقدية من السياسة يساعدنا على المساهمة في الغربلة الثقافية المطلوبة لـ " إعادة تأسيس المشروع السياسي على أقدام قادرة على النهوض بالأمة ".

إننا نتطلع إلى الكشف عن الأبعاد النهضوية ( العقلانية، التقدم، التنوير، الديمقراطية، العلمانية )، التي كانت تنطوي عليها حركة النهضة العربية الحديثة، والتي أُهدرت لاحقا في مشروعي التيارين القومي والماركسي، واختُزلت إلى مستوى خطاب سياسوي محكوم بالاعتبارات الديبلوماسية المحلية والدولية، لا بضرورة الوعي بإشكالية التأخر العربي التي قادت إلى الهزائم المتكررة.

نحو عقلنة الخطاب الوحدوي

إنّ مشروع الوحدة العربية هو جوهر الحركة القومية العربية، بمثل ما هو هدفها في الوقت نفسه. ولذا فقد لازم الهدف الحركة منذ نشوئها، وتطور معها نموا وضمورا، وصعودا وهبوطا. ولكنّ أغلب المشاريع الوحدوية كانت من نمط الوحدات التي تفقد شعار الوحدة أهميته وجديته، حيث أنّ بعضها جاء تعبيرا عن محور سياسي عربي ضد محور عربي آخر، كما أنّ بعضها الآخر قد جاء على أمل حل بعض المشاكل السياسية أو الاقتصادية الطارئة. وبشكل عام يمكن أن نلاحظ أنّ هذه التجارب انطوت على جانبين: أولهما سلبي، حين أُفْرِغَ شعار الوحدة العربية من مضمونه التحرري، وحين أَفْقَدَ جدية وثقة الجماهير العربية بالوحدة. وثانيهما إيجابي، يتمثل في بداية نضج فكرة التدرج في العمل الوحدوي، الذي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية للأقطار العربية.

إنّ شعار الوحدة العربية، رغم أهميته بالنسبة لقضايا النضال العربي في التاريخ المعاصر، أصبح أكثر صعوبة وتعقيدا. لأنه أولا، لم يدخل في إطار العمل والإنجاز المتواصل. وثانيا، لم ينمُ بشكل واضح ومتدرج. وثالثا، اصطدم بتجارب فاشلة وبتراجعات متوالية. ورابعا، لأنّ هذه الحال من التجزئة تولِّدُ آلياتها الداخلية، وذلك لأنّ الضغوط الخارجية، من ناحية، وعوامل التنافس والخوف والتدافع بين دول قطرية متفاوتة القوة والثروة والتوجهات تحكمها نخب وأنظمة تسعى لإدامة امتيازاتها، من ناحية أخرى، تدفع باستمرار ضد توجهات الوحدة.

ما العمل إذن ؟ كيف يمكن مواجهة واقع التجزئة، آخذين في الاعتبار أنّ ديمومة هذا الواقع يرتبط ارتباطا وثيقا بواقع عالمي أكبر، واقع الخلل الفادح في توازن القوى ؟

(1)- على الأمة أن لا تقبل، بحال من الأحوال، التنكر لفكرة الوحدة والتخلي عن طريقها، لأنّ مثل هذا التراجع يعني هزيمة شاملة لمشروع النهضة العربية.

(2)- إنّ امتحان القطرية والوحدة هو امتحان الأفعال والسياسات لا الأقوال والشعارات.

(3)- بالرغم من الفشل المتكرر للعديد من برامج التضامن ومشاريع التوحيد العربي، فإنّ الضغط على القطرية، كاتجاه وواقع وثقافة، ينبغي أن لا يتوقف، على المستويات الرسمية والشعبية.

وفي ضوء هذا الواقع، لم يعد يجدي طرح شعار الوحدة بصيغته العامة، إلا بمقدار ما تكون الصيغ عملية وواقعية، يمكن من خلالها تجسيد الهدف. وبكلمة أخرى: إنّ كل خطوة عملية، مهما كانت صغيرة، في اتجاه الوحدة، هي وحدها التي ستقود إلى الوحدة، إذا كانت هذه الخطوة جزءا من عمل كبير مخطط، وكانت بتوقيتها وطريقة تنفيذها صحيحة ومُحْكَمَةً.








في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: رد: نحو رؤية قومية عربية معاصرة   الأحد 05 أكتوبر 2008, 14:37

فلقد دلت التجارب الوحدوية العربية المعاصرة أنّ مطلب الديمقراطية لا يقل أهمية عن الوحدة ذاتها، إذ إضافة إلى كونه مطلبا حيويا للنخب الفكرية والسياسية وللجماهير الشعبية، فإنه المحتوى الحقيقي الفعلي للوحدة، وهو أيضا المناخ الذي يساعد على قيامها، ثم على استمرارها وحمايتها بعد أن تقوم. كما دلت على أنّ الوحدة لا تعني الدولة المركزية أو الاندماج الكامل والفوري لأجزاء الأمة العربية، لذلك فإنّ المفكرين القوميين حاولوا أن يجدوا، بين هذين الحدين، صيغا مرنة لتحقيق هدف الوحدة، ومن أمثلة ذلك، يمكن أن نذكر " أنّ عملية تحقيق الوحدة العربية لا يمكن أن تتم في فراغ بل لابدَّ أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع الموجود، وهو واقع التجزئة، وتتحرك منه بقفزات متدرجة نحو الوحدة. ولعل أهم ما يمكن استنتاجه ـ عمليا ـ من ذلك، هو أنّ الوحدة لا تتم دفعة واحدة، ولن تكون شاملة منذ البداية. والاستنتاج الآخر يتعلق بشكل نظام الحكم في الدولة العربية الموحدة، فهو كما يبدو سيكون أقرب إلى النظام اللامركزي الاتحادي منه إلى الدولة المركزية الموحدة ".

وهكذا فقد تبلورت نظرية التدرج في تشييد الوحدة العربية المستندة على البعدين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تستند هذه النظرية إلى أنّ الوحدة، بمنطق التاريخ المعاصر، تقوم على وحدات اقتصادية تمهد لها وتقود إليها، وهذه الوحدات الاقتصادية تتم بداية داخل كل قطر عربي، ومن ثم داخل كل مجموعة إقليمية عربية. كما تبلور الاتجاه الذي يركز على المنهج الوظيفي في التعامل مع قضية الوحدة، حيث بدأ هذا الاتجاه بالتبلور خاصة بعد ظهور بعض التكتلات الإقليمية العربية، حيث رأى أصحاب هذا الاتجاه أنّ ظهور هذه التكتلات يُعَدُّ تطبيقا للمنهج الوظيفي في التعامل مع قضية الوحدة، كما أشار بعضهم إلى أنّ هذه التكتلات تستلهم نموذج " السوق الأوروبية المشتركة ". والواقع أنّ هذا المنظور للاتجاه الوظيفي يعني أنّ لكل إقليم من الأقاليم العربية دورا محددا لا يمكن أن تستقيم الحياة العربية المشتركة إلا بقيامه به.

وفي الواقع تفرز المنطقة العربية أربعة تجمعات إقليمية رئيسية، تنبثق من اعتبارات متنوعة تعكس اهتمام أطرافها بمحيطهم الجغرافي المباشر، يقع اثنان منها في الجناح الأفريقي من العالم العربي هما: تجمع وادي النيل، والمغرب العربي الكبير. ويقع الآخران في الجناح الآسيوي هما: التجمع الخليجي، والهلال الخصيب.

وبعد كل الأفكار والتجارب الوحدوية، التي عرفتها الأمة العربية في تاريخها المعاصر، تبلورت كتابات وحدوية جديدة، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، تتميز بـ " عقلنة الخطاب الوحدوي ". وهي تنطلق من أنّ الكتابات الرومانسية عن الوحدة العربية تساهم في إغناء الوجدان العربي، وتوسّع دائرة الحلم العربي، لكنها لا تقيم الوحدة. إذ أنّ التأثير الحقيقي لا يتم إلا بعد فهم معطيات المحيط العربي، بكل متغيّراته وثوابته. وهو ما يعني محاولة إنجاز الحسابات السياسية التاريخية والعقلانية، ومحاولة تعميق الوعي بالمصالح والمنافع والخيرات المشتركة.

لقد ميزت الكتابات التقليدية في الفكر الوحدوي بين المدخل السياسي، والمدخل الاقتصادي، والمدخل العسكري للوحدة العربية. أما الفكر الوحدوي الناشيء فإنه يتجه نحو إعادة النظر في منطق التمايز بين المداخل المذكورة. مع محاولة إبراز التداخل الكبير بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال السياسي، والرأسمال الرمزي الثقافي. لا ترتبط العقلنة هنا بالدفاع عن المدخل الاقتصادي بقدر ما تتجه نحو مواجهة الإشكال الوحدوي في شموليته، فالاقتصاد والسياسة والثقافة والتربية، كلها عناصر متداخلة، حتى وإن صُنِّفَت بشكل منفصل، وإنّ التفريط في أي جانب منها، باسم المطلب الكلي الشامل، يفرّط فيها أكثر مما يقرّب منها.

ويحتل مفهوم الدولة القطرية مكانة هامة في الكتابات الوحدوية الجديدة، باعتبار أنّ تراكم خبرات بناء الدولة الوطنية الحديثة يساعد على إمكانية بلورة رؤية واقعية لكيفيات بناء الدولة القومية الواحدة. وعلى هذا الأساس، فإنّ البناء الوحدوي العربي، المستفيد من التجارب الوحدوية السابقة بما فيها بناء الدول الوطنية الحديثة، يُعتَبَر بمثابة تعاقد قومي جديد، أساسه الخيار الديمقراطي الحر " لا يمكن أن تتم الوحدة العربية أو تكون دون ديمقراطية، بدون تراضي الدول العربية المرشحة لأن تتحد إما كمجموعات إقليمية، أو كوطن عربي ككل. لا طريق آخر للوحدة العربية إلا طريق التراضي الديمقراطي بين هذه الدول، أي أنه يجب أن تعترف كل دولة عربية بالدولة العربية الأخرى: بقطريتها وكيانها، ولا يمكن أن تكون الديمقراطية بهذا الشكل إلا إذا كانت متوفرة في كل بلد على حدة ".

إنّ الوحدة العربية ليست عملية قيصرية إكراهية ضد كل الوقائع القائمة في العالم العربي، وإن كانت في جوهرها ثورة على جوانب كثيرة من تلك الوقائع، بل هي خيار طوعي حر وواعٍ يسلكه الأفراد والجماعات بفرادة مدركة لمصلحتها. كما أنّ علاقة الوحدة العربية بالتقدم هي علاقة السبب بالنتيجة، إذ أنّ كلا منهما سبب للآخر ونتيجة له في آن واحد. فإذا كانت التجزئة محصلة التأخر التاريخي للأمة العربية والأوضاع الأمبريالية التي نشأت عنه، وعامل تكريسه وتعميقه، فإنّ الوحدة هي محصلة التقدم العربي والتحرر من السيطرة الأمبريالية ورافعتهما في آن واحد.

وهكذا، فإنّ الدرس الأهم من التجارب العربية الوحدوية المعاصرة هو أنّ التسرع في إظهار مطلب الوحدة، كيما يُذبَح بعد ذلك، هو أكثر إيلاما للمشروع القومي، من التأني في طلبها والتدقيق في شروطها، والتعقل في البحث عن أشكالها العملية، حتى وإن طال بها الزمن أو تأخر، ولكن على أساس أنّ كسر منظومة التجزئة العربية يجب أن يكون من الأولويات.

وهكذا، إننا لسنا بحاجة لشعارات من أجل مواجهة التحديات الكبيرة المطروحة على أمتنا العربية، بل الارتقاء إلى مستوى التحديات، بما يخدم مصالح الأمة ويضمن حقوقها الأساسية في السيادة والحرية والاستقلال التام. ولكي تتحول العروبة من مشروع تعاطف قومي، يعبّر كل طرف فيه عن إرادة توحده ووحدة همومه وانشغالاته مع الآخر، إلى مشروع عملي يُأمل منه أن يتحول إلى واقع متحقق في المستقبل، ليس على الأقطار العربية المختلفة إلا أن تصلح أوضاعها وتنمّي قدراتها المادية والبشرية، لكي تشكل كل منها أنموذجا يحتذى للآخر.

إنّ مشروع النهضة العربية، أي قضايا المسألة القومية العربية، كان ولا يزال في حاجة إلى فكر الأنوار والحداثة، وكذلك استيعاب التحوّلات والتغيّرات التي تطرأ على الساحتين العربية والدولية. مما يستوجب الاعتراف بالخصوصيات القطرية، في إطار التنوع ضمن أمة عربية واحدة، مع إمكانية تحويل التنوع القطري إلى عنصر غنى للثوابت القومية الضرورية لتطور كل حركة قومية. ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد القومي العربي، فالمسألة القومية تستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة. وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أنّ العالم العربي المعاصر، بشكل عام، لا يملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بناه السياسية والثقافية، إذ بقي خارج تسلسل وتاريخ الأحداث، فالماضي مازال ملقى على هامش الحاضر، بل يهدد المستقبل.

إنّ انخراط العرب في العالم المعاصر يتطلب منهم البحث عن مضمون جديد لحركتهم القومية التحررية، بما يؤهلهم لـ " التكيّف الإيجابي " مع معطيات هذا العالم، وبالتالي الانخراط في مقتضيات التحوّلات العميقة للعلاقات الدولية، بما يقلل من الخسائر التي عليهم أن يدفعوها نتيجة فواتهم التاريخي، لريثما تتوفر شروط عامة للتحرر في المستقبل. فالعرب ليسوا المبدأ والمركز والغاية والنهاية، هم أمة من جملة أمم وحضارات وثقافات، لا يمكن أن ينعزلوا عن تأثيرات وتطورات العالم الذي يعيشون فيه. إنّ الأمم التي تدور حول نفسها لا يمكن أنّ تتقدم، خاصة عندما تكون خطابات نخبها الفكرية والسياسية متوازية لا تواصل بينها، في حين أنّ التقدم يتطلب تراكم خبرات كل قوى الأمة، التي تعانق تناقضاتها، وتبحث عن حلول ممكنة وواقعية لمشكلاتها.

ومن سياقات ما قدمته، يبدو أنه لا يجوز القفز عن واقع الدولة القطرية تحت أي عنوان، بما فيه الطموح المشروع إلى دولة عربية واحدة. فالأمة العربية لن تكون أمة " قبائل "، وإنما أمة دول حديثة تطمح إلى توحيد جهودها للبحث عن مصالحها المشتركة وتعظيمها. إنّ المشكلة الأهم المطروحة أمام الحركة القومية العربية هي بناء الدولة الحديثة، وما يتفرع عنها من أدوات مفاهيمية تنتمي إلى المجال التداولي المعاصر: الأمة، المجتمع المدني، المواطنة، الديمقراطية، حقوق الإنسان، التعاقد الاجتماعي، الشرعية الدستورية والقانونية، التنوير، العقلانية، العلمانية.

لعلنا بذلك نفتح من جديد باب التاريخ وندق أبواب المستقبل وننهض لإطلاق خطاب قومي عصري، عناوينه في توجهاته ومضامينه وفي تجديدنا له، يحتمل دائما التأويل والتعديل لصالح شعوبنا العربية. إنها إعادة قراءة واجبة، ليس فقط في تجديد هذا الخطاب وإنما في تجديد العقل العربي المدعو إلى خوض مغامرة المستقبل بأدوات جديدة وأفق مفتوح وحوار دائم على المصالح والأهداف والممكن والمستحيل.إننا أحوج ما نكون إلى استنباط وسائل جديدة لاستنهاض العمل القومي الديمقراطي العربي، وقد بدت أهمية بناء المجتمع المدني، بعيدا عن لعبة الصراع على السلطة، باعتبار ذلك هو السبيل إلى تعميق الاستقرار الاجتماعي وتطويره على أسس ديمقراطية وحدوية عقلانية هادئة. كما أنّ المشروع الحضاري العربي مازال، بأهدافه الكبرى التي توافق عليها أعضاء المؤتمر القومي العربي، مطمح كثير من النخب الفكرية والسياسية العربية: الوحدة العربية في مواجهة التجزئة، والديمقراطية في مواجهة الاستبداد، والتنمية المستقلة الشاملة في مواجهة التأخر، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الظلم والاستغلال، والاستقلال الوطني والقومي في مواجهة الهيمنة الأجنبية، والتجدد الحضاري في مواجهة التجمد التراثي من الداخل والمسخ الثقافي من الخارج.








في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
نحو رؤية قومية عربية معاصرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
آداب دمنهور :: منتدى الكتب التاريخية :: السياسة والعلاقات الدولية-
انتقل الى: