آداب دمنهور


 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الأفغان في أستراليا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: الأفغان في أستراليا   السبت 18 يوليو 2009, 00:40


الأفغان في أستراليا

خلال السبعينات من القرن الماضي وكنت أعمل حينذاك بالمكتبة القومية في أستراليا، صادفتني بعض وقائع كشفت لي عن حقائق غريبة عن جماعة من المسلمين ظهرت مبكراً وبشكل درامي في تاريخ أستراليا، ثم اختفت أو تلاشت بشكل درامي كما ظهرت...

كنت في بادئ الأمر أظن أن المسلمين لم يعرفوا طريق الهجرة إلى أستراليا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أُلغي "قانون أستراليا البيضاء" الذي كان يحرّم على الأجناس الملونة دخول أستراليا.. وكانت لهذا القانون خلفية تاريخية وهو قانون عنصري قُصد به بصفة خاصة التخلص من الجنس الأصفر.. أو على وجه التحديد طرد الصينيين الذين جُلبوا إلى أستراليا للمساعدة في الحفر والبحث عن الذهب.. فلما نضبت مناجم الذهب، لم يعد وجود الصينيين مرغوباً فيه من جانب الأستراليين، فكان عليهم أن يعودوا من حيث أتوا. ولعلنا نجد اليوم أمثلة على ذلك في موقف أوروبا تجاه الأقليات الملونة التي سمح لها بدخول أوروبا لتعيد بناء ما خربته الحرب العالمية الثانية، ولتساعد هذه البلاد في استعادة صناعتها وزراعتها التي دمرتها الحرب، فلما استقام الاقتصاد وازدهرت الصناعة والزراعة وطغت التكنولوجيا الحديثة ظهرت نزعات عنصرية في أوروبا تهدف إلى طرد المهاجرين الملونين الذين اعتُبروا عبئاً على الاقتصاد وعلى البيئة وعلى الثقافة الأوروبية..

أول ما لفت نظري إلى موضوع الجماعة التي أشرت إليها آنفاً هذه الواقعة: جاءني من قبل إدارة المكتبة القومية أحد موظفي الحكومة الأسترالية يحمل كتاباً مطبوعاً بحروف غير مألوفة قدّرت الإدارة أنها ربما تكون هي اللغة العربية.. ولما كنت خبيرهم في العربية أحيل إليّ الموضوع.. قال الرجل: إن هذا الكتاب كان موجوداً في محكمة مدينة "دارون" منذ ما يقرب من مائة عام.. وقد قيل لي إنه كتاب مقدس كان الأفغان المسلمون يقسمون عليه عندما يُستدعى أحدهم إلى الشهادة في المحكمة.. فقلت له مندهشاً: أفغان مسلمون في دارون..؟ ومنذ مائة عام..؟ فأجاب الرجل: نعم.. هذا ما قيل لي.. فلما أخذت الكتاب وتفحصته وجدته مصحفاً طبع في تركيا منذ ثلاثمائة سنة.. ولقد أدهشني أكثر أن تحتفظ به محكمة دارون على مدى تلك السنوات الطويلة بهذه الحالة الجيدة..

أما الواقعة الثانية، فقد حدثت بعد ذلك بعام تقريباً عندما كنت أعمل في إحدى الأمسيات بقسم المراجع في المكتبة القومية، حيث جاءني شاب أسترالي في الثلاثينيات من عمره يطلب مني مساعدته في الحصول على كل ما كُتب عن الأفغان في أستراليا.. فسألته: هل لي أن أعرف سر اهتمامك بهذا الموضوع بالذات، وما هو مستوى المعلومات التي تخدم غرضك..؟

فأجاب: أما عن مستوى المعلومات، فأنا أعمل بالصحافة، وأدرس في نفس الوقت للحصول على الماجستير في تاريخ أستراليا.. أما سر اهتمامي بالأفغان بالذات، فلأن هذه الفئة من الأستراليين الأوائل – كما اعتقد – قد أدّوا خدمات جليلة لأستراليا وقاموا بدور مهمّ في تطويرها، ومن الإنصاف أن نتعرف على حقيقة هذا الدور... لفت نظري في هيئة هذا الباحث أمران متميزان، فرغم أن اسمه "مايكل" ولونه أبيض وعيناه زرقاوان، إلا أن استدارة رأسه والأغوار البعيدة التي تطالعك من عينيه جعلتني أشعر بأن وراء اهتمامه بموضوعه دوافع أخرى، ومن ثم سألته عن اسمه بالكامل..؟ فلما ذكره تأكد لي أنه – كما توقّعت – ينتمي إلى تلك الجماعة التي اندثرت آثارها من صفحات التاريخ الأسترالي.. وقد جاء سليل هؤلاء الأفغان يبحث عن قصة أصوله وأجداده متخفياً في رسالة ماجستير..

أما ثالثة الوقائع، فقد حدثت عندما كنت أبحث في المكتبة عن مواد تصلح لدراسة السيد "مايكل" حيث وقع في يدي كتاب يحتوي على قصة الأفغان المسلمين في أستراليا ضمن قصص أخرى، ومؤلف هذا الكتاب يدعى "جورج فارول"، وأما كتابه فعنوانه: "أستراليون اندثروا"...

لقد استمتعت بقراءة هذا الكتاب الشيق المثير بقدر ما انزعجت لما أصاب الأفغان المسلمين الذين انقرضوا من أستراليا، فأنا مغترب مثل الأفغان ومسلم مثلهم، فالأمر يحتاج إلى وقفة للتأمل والتفكير، وخاصة أنني كنت ألاحظ بوادر الانهيار في الهوية الإسلامية للجالية المصرية بأستراليا، كان هناك من يسمى "عبد الجليل"، فإذا به يصبح "جيل".. ومن كان اسمه مصطفى أصبح يدعى "ستيف"، هذا بالنسبة للجيل الأول من المهاجرين فماذا ينتظر الأجيال التالية في مستقبل الأيام..؟

(2)

"جورج فارول" مغامر أسترالي باحث عن المتاعب لديه استعداد لركوب الصعاب، بحثاً عن أي معلومة غريبة تُرضي شغفه وتُشبع حبه للمعرفة.. رحل الرجل إلى المناطق النائية على أطراف الغابات وفي أعماق الصحراوات، سعياً وراء أخبار بعض جماعات من الأستراليين كان لهم في يوم من الأيام شأن في أستراليا، ولكنهم نتيجة تغيرات وظروف معينة.. انقرضوا أو ذابوا في نسيج المجتمع الكبير...

كان "جورج فارول" يعتقد أن هذه الجماعات المنقرضة قد أدّت أدواراً مهمة في تطوير أستراليا وتعميرها، رغم تجاهل المؤرخين لهذه الأدوار، ولذلك يرى أن أبسط ما يجب نحو هؤلاء الناس هو التّعرف على حقيقة هذه الأدوار والتنويه بأصحابها...

أمضى الرجل سنوات من عمره يرتحل من مكان لآخر يجمع المعلومات ويلتقي بشخصيات من أبناء هذه الجماعات كانت مصدراً من مصادر كتابه المشار إليه، والذي اختار له عنواناً دالاً على طبيعة موضوعه: ( أستراليون اندثروا )...

في هذا الكتاب أعاد المؤلف إلى الأذهان صورة الحياة اليومية التي عاشها هؤلاء الناس، وصوّر المعاناة التي عانوها والإنجازات التي حققوها وفترات الازدهار التي تمتعوا بها، ثم يصف لنا كيف تقلّبت بهم الأيام وتغيّرت الحياة، فتدهورت صناعتهم وكسدت تجارتهم واضمحلت مكانتهم وتفرقوا في شعاب الأرض...

من هؤلاء الأستراليين الأوائل الذين انقرضوا وتبدّدوا كانت جماعة من المسلمين الهنود من سائقي الجمال "الإبل" جاءوا بحيواناتهم وأدواتهم وزوجاتهم ليعيشوا ويعملوا في أستراليا، فكانوا بذلك أول المسلمين الذين تطأ أقدامهم أرض القارة البكر، غير أنهم عُرفوا هناك باسم الأفغان. ويبدو أن هذه التسمية ترجع إلى أن هؤلاء الناس جاءوا من قبائل كانت تسكن مناطق الحدود بين الهند وأفغانستان [ لم تكن باكستان قد أُنشئت بعد..]، وهي قبائل ذات أصول واحدة، وإن توزعت على الحدود بين البلدين...

(3)

تبدأ قصة المسلمين الأوائل في أستراليا خلال ستينيات القرن التاسع عشر، وعلى وجه التحديد سنة 1860، عندما ظهرت الحاجة إلى استكشاف الصحراء الأسترالية الشاسعة واستغلال ثرواتها، فقد استطاع المستعمرون الإنجليز أن ينتشروا على الشريط الساحلي الخصيب الذي يحف بالقارة، ولكنهم لم يستطيعوا التوغل في وسطها الصحراوي لافتقارهم إلى وسائل النقل المناسبة، فجاء سير ( توماس ألْدر ) بالحل، حيث جلب معه إلى أستراليا 120 جملاً يصحبها سائقوها الذين أُطلق عليهم – كما ذكرنا – اسم الأفغان.

بقدوم هؤلاء الأفغان ابتدأت صفحة جديدة في تاريخ أستراليا، فقد بدأت الاستكشافات في الصحراء، وامتدت إليها السكك الحديدة ووصلت إليها المياه، ونُقلت الأدوات والمعدات والمواد اللازمة لبناء المزارع والمساكن والمناجم، وانفتحت بذلك على أستراليا كنوز من الثروات الطبيعية من الذهب والفحم والحديد...

قبل استيراد الجمال، كانت الثيران هي سيدة وسائل النقل في الغابات وفي المناطق الجبلية والساحلية التي انتشرت فيها المراعى وازدهرت صناعة قطع الخشب، ومن ثم اتجه النظر إلى جلب الجمال من خارج أستراليا. ولما كانت قيادة الجمال تحتاج إلى خبرة ومهارة خاصة، فإن استجلاب سائقي الجمال الأفغان كان ضروريا أيضاً.. وبقدوم الأفغان بدأت أستراليا تشهد صورة جديدة من الناس مختلفين في لونهم وفي دينهم وملبسهم وأسلوب حياتهم وعمائمهم الملونة.. وشهدت الصحراء الأسترالية على مدى عشرات السنين قوافل الجمال تتهادى في سيرها قاطعة مئات الأميال يقودها هؤلاء الأفغان صامتين متميزين بسمت وقور رزين، متحلَّين بأخلاق الصبر والشهامة والحكمة والأدب..

عمل الأفغان في دأب فنقلوا للمستكشفين أدواتهم وإمداداتهم من الطعام والشراب وأرشدوهم إلى مصادر المياه في أرض الصحراء، ونقلوا للعاملين في المزارع والمناجم مُعدّات الحفر وأسلاك الأسوار، كما نقلوا الحديد والخشب اللازمين للبناء، ونقلوا القضبان الحديدية والفلنكات لبناء السكك الحديدية التي ربطت قلب الصحراء بسواحل القارة، وفي مرحلة لاحقة اشتغلوا بنقل الصوف من مزارع الأغنام إلى موانئ الأنهار حيث كانت تحملها السفن إلى مناطق التسويق...

كانت رحلات القوافل طويلة بطيئة، ولكن لم يكن هناك بديل عنها حتى بعد أن ظهرت سيارات النقل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فقد ظلت قوافل الجمال تُرى وهي تنقل أخشاب الوقود في جنوب أستراليا كما رُؤيت في مناطق أخرى تنقل المياه لمزارع الأغنام في براميل محمولة على عربات تجرها الجمال...

ويبدو أن الأستراليين البيض كانوا يريدون التخلص من الأفغان، فحاولوا استخدام الجمال بأنفسهم ولكنهم لم يفلحوا، وهنا يذكر لنا ( جورج فارول ) أن الجمل يتمتع بتركيبة عضوية وفسيولوجية خاصة، علاوة على قدرته التي لا تُبارى على الجوع والعطش والصبر والنفس الطويل في قطع المسافات الشاسعة دون كلل أو تعب، وأنه يحتاج إلى قائد ماهر يعرف خصائصه وطباعه ويحسن معاملته وتدريبه، وأن هذه الخبرة لم تتوافر في أستراليا لغير الأفغان...








في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
historical
Administrator
Administrator


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : فى قلب الحدث
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : خريج
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2500
العمر : 29
الجنس : ذكر

مُساهمةموضوع: رد: الأفغان في أستراليا   السبت 18 يوليو 2009, 00:43



أما الأستراليون البيض فما كانت لديهم الخبرة ولا المهارة ولا المعرفة.. بل كانت لديهم أفكار خاطئة عن الجمال أوردتهم موارد التهلكة.. فقد اعتقدوا أن الجمال تحوي في بطونها خزانات من المياه كبيرة، وما على الإنسان حين يحتاج إلى الماء إلا أن يفتح بطن الجمل ليروى ظمأه.. وبسبب هذه الأفكار الخاطئة عن الجمال هلك أناس كثيرون، أهملوا التزود بالماء الكافي عندما ذهبوا في رحلاتهم الصحراوية بالجمال، فلما بقروا بطون الجمال لم يجدوا ماء فهلكوا وقضوا على حيواناتهم.. فانطبق عليهم المثل القائل: ( لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)، ومن هذا القبيل تُحكى حكايات كثيرة عن أُناس هلكوا بسبب جهلهم وأفكارهم الخاطئة عن الجمال...



(4)



ارتبطت سيرة الأفغان في أستراليا بالبعثات الاستكشافية الكبرى وسجلهم في ذلك حافل بالإسهامات التي لا يمكن إنكارها، فما كان لبعثة استكشافية أن تنجح في الصحراء بدون قوافل الأفغان، ومن بين البعثات كانت بعثة ( كالفرت ) الشهيرة في صحراء فكتوريا الكبرى عام 1896...



وفي ذلك يحكي لنا ( جورج فارول ) أنه في مرحلة من مراحل هذه البعثة، قضى المستكشفون والأفغان شهراً كاملاً لم يصادفوا أثراً للمياه، ولكنهم استطاعوا أن يحافظوا على حياتهم بفضل حكمة الأفغانيّ قائد القافلة ونصائحه واقتصاده في استخدام المياه، حتى أن جمال القافلة رغم أنها لم تحظ إلا بأقل القليل من مخصصاتها في الماء، إلا أنها احتفظت بكفاءتها طوال الرحلة...



ويمضى المؤلف فيحكي لنا قصصاً عن مهارة سائقي الجمال الأفغان، وما قاموا به من جهود في الحفاظ على حياة الرواد الأوائل من المستكشفين، ويصف لنا في هذا السياق كيف أن أحد سائقي الجمال ويدعى ( بيجا درويش ) استطاع أن يتتبع آثار طريق قديم مهجور في صحراء غرب أستراليا، بحثاً عن الماء بعد أن شح وأوشك أفراد بعثة "كالفرت" على الهلاك، ولكن "بيجا" وصل إلى آبار المياه في الوقت المناسب وأنقذ بذلك أفراد البعثة جميعاً، وذلك بفضل خبرته العميقة بالصحراء وقدرته في تتبع الأثر.. وفي هذه البقعة النائية لا يزال اسم [ بيجا ] يطلق على جبل هناك، يراه الأستراليون اليوم وهم يمرّون عليه في رحلاتهم ولكنهم لا يعلمون أصل هذه التسمية..



وفي مقابل هذه القصة يذكر لنا المؤلف قصة مجموعة أخرى في بعثة "كالفرت" نفسها أصروا على سلوك طريق آخر.. رجّحوا أنه الطريق الصحيح إلى آبار المياه، ولكنهم هلكوا ولم يصلوا لشيء، ولما ذهب رئيس البعثة مع "بيجا" يبحث عنهم وجدهم جثثاً ممددة، بجانب بعضها البعض، ومعهم قطعة قماش مكتوب عليها آخر تقرير لهم: "لقد أخفقنا في معاملة الجمال فهربت منا في ذات مساء".. يقول المؤلف متتبعاً سيرة "بيجا" الذي توفي في الخمسينيات من القرن العشرين عن عمر يبلغ 96 عاماً: لقد كان "بيجا" يتمتع بشخصية جذابة وأخلاق عالية وأدب جم، مما أكْسبه احترام أبناء شعبه واحترام الأستراليين على حد سواء، وقد اعتبره الجميع الأب الروحي لشعبه الذي انقرض...



(5)



كان المؤلف حريصاً على لقاء "بيجا" والتحدث إليه، فذهب يبحث عنه في مدينة "ماري" حيث كان يعيش.. يقول : "ماري" هذه مدينة صغيرة منعزلة يقطعها خط السكة الحديدية الذاهب من "أليس سْبرنْجس" إلى "أديلايد" في جنوب أستراليا.. والغريب أن هذا الخط كان يفصل بين عالمين لا تواصل بينهما كأنه حد فاصل بين دولتين، فعلى الجانب الأيمن منه كان يعيش الأوروبيون البيض من تجار الماشية والبقالين وسائقي الحافلات وموظفي البريد، أما على الجانب الأيسر فقد كان يسكن الأفغان المسلمون ومعهم الأستراليون السود المعروفون باسم "أبورجينيز" (هم السّكان الأصليّون في أستراليا )..



ويتابع المؤلف كلامه قائلاً: "ولم أكن أعرف أنني – عندما عبرت الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر – قد ارتكبت إثماً مُجرّماً لا يغتفره الأستراليون البيض.. على كل حال عندما وصلت إلى بيت "بيجا" قيل لي أنه رحل إلى العالم الآخر، فدخلت لمقابلة ابنه وكان يدعى "جاك" فرأيته منهمكاً في جدل مع واحد من أصدقائه وسمعته يقول له بحدة: " الآن.. أرجو أن تكون صادقاً هذه المرة ولو على سبيل التغيير.. إنك تتحدث كرجل أبيض"...! ويعقّب المؤلف على ذلك بقوله: من هذا الحديث العفوي لمحت إشارة إلى التعصب اللوني الذي يعاني منه الأفغان حتى اليوم...



لقد شعر الأستراليون البيض بخطر الأفغان على صناعتهم منذ أتى بهم سير توماس ألْدر وهالتهم السرعة التي استطاع بها سائقو الجمال الملونون أن يسيطروا على وسائل النقل والمواصلات في أستراليا في مرحلة من أهم مراحل تطورها من البدائية إلى عصر البخار والتكنولوجيا.. ومن ناحية أخرى أحس الأفغان بأهميتهم وأدركوا مكانتهم، فأخذوا ينظّمون صناعتهم.. وذهبوا إلى موطنهم في الهند ( الآن هي منطقة بيشاور الباكستانية ) ليستجلبوا أعداداً أخرى من أبناء جلدتهم ومن الجمال، وتوسعوا في خدماتهم، فانتشروا في أنحاء القارة الاسترالية الفسيحة، حتى أصبحت السيطرة لهم كاملة على وسائل النقل والمواصلات.. نجح الأفغان في مساعدة أستراليا للانتقال من عصر إلى عصر، ولكنهم في طريق نجاحهم أزاحوا من طريقهم سائقي الثيران، فقد كانت وسيلتهم أبطأ وأكثر تكلفة.. لقد استطاعت قوافل الجمال أن تغطي خمسة أمثال المسافة التي كانت تقطعها الثيران في نفس المدة، وحتى العربات التي كانت تجرها الخيول لم تكن تستطيع منافسة الجمال في سرعتها...



(6)



هذا النجاح في حد ذاته كان سبباً في الاضطرابات العنصرية بين الأفغان وبين الإنجليز البيض، الذين استخدموا في معاركهم الأيدي والسكاكين وهم يتحرشون بالأفغان في طريق أسفارهم خلال مستعمرة "كوينزلاند".. وقد رفع البيض شكوى إلى حاكم "كوينزلاند" يطلبون استبعاد الأفغان من المستعمرة، وكان تبرير الشكوى ليس على أساس قلة الكفاءة، ولكن فقط على أساس اختلافهم في اللون.. وخسر البيض القضية وبقى الأفغان على أساس [ الضرورة الاقتصادية البحتة ]، فإن أصحاب المزارع والمراعي لم يستطيعوا في ذلك الوقت الاستغناء عن خدماتهم.. فلما ظهرت وسائل حديثة في النقل والمواصلات أكثر سرعة، أخذت أهمية قوافل الجمال تتلاشى.. وهكذا جاء دور الأفغان لكي يخرجوا من الصورة...



يقول "جورج فارول" وكأنه يودع عصراً يحتضر: بعد ما يقرب من ثمانين عاماً من العمل الدءوب والانتشار الناجح، بدأت قوافل الأفغان تتلاشى من الأفق.. أما أولئك الأفغان المتوحّدون المتجلّدون الذين حافظوا على هويتهم وأسلوب حياتهم وحافظوا على تلك العمامة المتميزة وهم يقطعون المسافات الشاسعة.. يمشون في ظلال جمالهم التي تتهادى في الصحراوات الأسترالية.. هؤلاء الأفغان أخذوا يتلاشون في السراب الذي جاءوا منه ذات يوم بأسلوب درامي لا سابقة له في تاريخ أستراليا.. أما ذلك الحيوان العنيد الذي كانوا يقودونه من أنفه الكبير، فقد انطلق من قوافله وتسرب إلى الخلاء الرحيب.. وتعيش اليوم في أستراليا آلاف الجمال التي استوحشت.. وبعد أن كانت ذات أهمية وفائدة، أصبح شأنها شأن الحيوانات البرّية الأخرى...



انسحب كثير من الأفغان.. عادوا أدراجهم مرة أخرى إلى قراهم وقبائلهم في الهند ليقضوا ما تبقى لهم من العمر في وطنهم الأول، وبقى آخرون في أستراليا قيّدهم الفقر وضيق الحال بعد أن تدهورت حرفتهم وكسدت تجارتهم، فعاشوا يستخَْفون من الناس.. هجروا مساجدهم فأصبحت متاحف للسياح، وتخلّوا عن أسمائهم وعاداتهم وأصبحت عقيدتهم وهويتهم ذكريات.. يقول المؤلف: "تستطيع اليوم أن ترى أحفاد الأفغان في المدارس، فلا تكاد تميزهم عن غيرهم من الأطفال الأستراليين في شيء، فقد أصبحوا أستراليين من كل وجه في اللون واللغة واللسان"...



(7)



فماذا بقى من الأفغان المسلمين في أستراليا..؟



يقول "جورج فارول": لم يبق من الأفغان اليوم سوى الاسم الذي أُطلق على خط السكة الحديدية في مدينة " أليس سبرنجس " الواقعة في قلب الصحراء الأسترالية، حيث أُطلق عليه اسم [ أفجان ] اعترافاً بدور الأفغان في بناء هذا الخط.. ولكن حتى هذا الاسم كان مثار نقد شديد من بعض الأوساط البيضاء، الذين يرون في هذا الاسم حرجاً.. لارتباطه بأولئك الغرباء الملونين الخشنين، خاصة بعد أن تطور الخط وأُدخلت عليه التكنولوجيا الحديثة.. وزُوّد بالتكييف وعربات الطعام الفاخرة والخدمات السياحية الممتازة.. ومع هذا الاعتراض فبشكل أو آخر بقى الاسم لاصقاً بخط السكة الحديدية كذكرى.. أو علامة في مجرى تاريخ أستراليا، لعل مؤرخاً منصفاً يأتي في يوم من الأيام ليكشف عن حقيقة الدور الذي قام به الأفغان المسلمون.. ويضعهم في السياق الصحيح لنهضة القارة الأسترالية..!.



(Cool



من عجائب الأقدار في هذا الزمن أن الأستراليين لهم اليوم قوات عسكرية تساعد في أفغانستان القوات الأمريكية أو كما يُطلق عليها قوات التحالف الغربية.. وهكذا جحد أحفاد الأستراليين جميل الأفغان الأوائل فراحوا يقتلون أحفادهم في أفغانستان.. بلا ذنب ولا جريرة.. سوى رغبة رجل غبيّ أراد أن يدخل السرور على قلب رجل غبي مثله يقيم في البيت الأبيض بواشنطون.. إنه ( جون هِوارد ) رئيس وزراء أستراليا السابق وهو رجل عنصريّ متعصّب رفض من قبل الاعتذار إلى سكان أستراليا الأصليين على الجرائم البشعة والمجازر التي ارتكبها أجداده ضدهم.. ثم قادته حماقته للزّجّ بالأستراليين ضد جارته إندونيسيا في احتلال تيمور الشرقية تلبية للرغبات الأمريكية الإمبريالية.. ثم هاهو يرتكب حماقة تاريخية أخرى فيشترك في الحرب الأفغانية ويلطّخ أيدي الأستراليين بدماء بريئة...



ويتساءل الإنسان أي جريمة ارتكبها الأفغان ضد أستراليا عبر التاريخ كلّه.. سوى أنهم ساهموا في إعمارها في أحرج وأضعف فترة من مراحل تطورها وتنميتها.. !؟ أم أنه [ جزاء سنمّار ]..!؟



وقصة هذا المثل العربي تدور حول مهندس عبقري كان مشهوراً ببناء التحف المعمارية التي لا تُبارى.. طلب منه ملك زمانه أن يبنى له قصراً على غير مثال سابق.. وبطراز يستحيل تقليده.. فلما انتهى سنمّار من البناء.. أمر الملك بقتله حتى لا يبني بعد ذلك قصراً مثل قصره ومن هنا جاء المثل: [ جزاء سنمّار ] مصورّاً للجحود الإنساني في أرذل صوره... ولو تأملت قليلاً في العالم من حولك لتبيّن لك أن هذا المثل ينطبق على حالات لا حصر لها.. على مستوى العلاقات الفردية و الدولية على حدّ سواء...!











في البداية سيتجاهلونك

ثم يحاربونك ثم يحاولون قتلك

ثم يفاوضونك ثم يتراجعون

وفي النهاية ستنتصر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
برينسس الشيماء
مشرف سابق
مشرف سابق


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : دمنهور
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الثالثة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2675
العمر : 26
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: رد: الأفغان في أستراليا   السبت 01 أغسطس 2009, 23:44

يسلمووووووووو على المعلومات الراقية والعرض المبدع



دمت فى تميز ورقي










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
وفاء
VIP
VIP


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
الجامعة : جامعة الإسكندريه
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الثالثة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 1076
العمر : 25
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: رد: الأفغان في أستراليا   الأحد 02 أغسطس 2009, 12:22

موضوع ممتاز
جزاك الله خيرا والى مزيد من التميز
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الأفغان في أستراليا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
آداب دمنهور :: منتديات التاريخ العام :: منتدى التاريخ الحديث-
انتقل الى: