آداب دمنهور


 
الرئيسيةمكتبة الصورالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بارانويا السياسة الأمريكية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ملكة الاحزان
مشرف سابق
مشرف سابق


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : دمنهور
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الرابعة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامة
عدد المساهمات : 4153
العمر : 27
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: بارانويا السياسة الأمريكية   الخميس 14 مايو 2009, 23:17

منذ عقود ثلاثة ألقى المؤرخ ريتشارد هوفشتاتر محاضرة بجامعة أكسفورد حول بعض الخصائص الكامنة في السياسة الأمريكية لم يلتفت إليها المؤرخون أو لم يعيروها ما تستحق من اهتمام وكان عنوان المحاضرة هو "أسلوب البارانويا في السياسة الأمريكية"، وتحت هذا العنوان نفسه نشرت له جامعة أكسفورد كتاباً ضمنته محاضرات أخرى سنة 1979.

يؤكد هوفشتاتر أن أسلوب البارانويا ظاهرة متكررة في السياسة الأمريكية تأتي على شكل موجات أو "نوبات" مختلفة الحدة عبر التاريخ مما يوحي بأن هذه السياسة تعاني من داء مزمن يتعذر استئصاله. وتشبه أعراض هذا المرض الأعراض الإكلينيكية للبارانويا التي تصيب عقل الإنسان، مع فارق واحد وهو أن الشخص البارانوي يؤمن بأن عالماً أو كائناً عدائياً يتربص به ويتآمر عليه بصفة شخصية، بينما يؤمن المتحدث الرسمي للنظام الأمريكي بأن هذا العدو المتآمر لا يخصه وحده كفرد وإنما يستهدف ملايين المواطنين.

لعلنا في ضوء هذه الفكرة نستطيع أن نفهم المناخ العقلي الذي كان مسيطراً على الإدارة الأمريكية في أعقاب حادثة 11 سبتمبر سنة 2001م عندما أعلن الرئيس بوش أن العدو الذي قام بالعمل الإجرامي كان يستهدف الديمقراطية والحرية والرخاء الذي ينعم به الشعب الأمريكي...

نظرية المؤامرة:

يتسق هذا الوصف مع نظرية المؤامرة التي تعاقب ظهورها في التاريخ السياسي الأمريكي منذ تسعينات القرن الثامن عشر.. يرصدها هوفشتاتر في كتابه بالتفصيل واحدة بعد الأخرى حتى ينتهي بالمؤامرة الشيوعية التي اتخذها ماك آرثر ذريعة له بعد الحرب العالمية الثانية ليشن حملة تطهير إرهابية شملت العديد من المفكرين والمثقفين والمنظمات الأمريكية، فأشاع بذلك الرعب بين المواطنين وانتهك الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذه المخاوف والهواجس الملحة التي تكمن في نظريات المؤامرة يمكن فهمها جيداً في إطار التقليد البارانوي في السياسة الأمريكية وهي في الحقيقة تعكس القلق الذي يؤرق قطاعاً ربما يكون صغيراً نسبياً ولكنه يتمتع بصوت مرتفع ومسموع بين الجماهير الأمريكية، ولكي يضرب "هوفشتاتر" مثلاً قريباً على تجليات نظرية المؤامرات الوهمية التي تعصف بالعقل الأمريكي بين الحين والآخر يستعير قصة (هي في الحقيقة إشاعة قوية) كان الأمريكيون يرددونها في الستينات من القرن العشرين، نشرتها نيويورك تايمز في 21 يولية 1963..

تقول القصة: "إن خمسة وثلاثين ألفاً من القوات الشيوعية الصينية يحملون أسلحتهم ويلبسون زياً عسكرياً بلون أزرق (لون قوات الأمم المتحدة) إمعاناً في التمويه وأنهم يقتربون حثيثاً من الحدود المكسيكية حيث يتأهبون لغزو سان دياجو.. وأن الحكومة الفدرالية الأمريكية قد سلمت زمام قيادتها البحرية والجوية إلى كولونيل روسي يعمل في الأمم المتحدة.. وتقريباً كل أمريكي مشهور أو قائد كبير في العالم الحر هو في الحقيقة عميل شيوعي.. وأن الجيش الأمريكي الذي يقوم بالتدريب على حرب العصابات في جورجيا في عملية تسمى "أفعى الماء الثالثة" هو في الحقيقة جيش للأمم المتحدة يلبس الزي العسكري الأمريكي.. تمهيداً للاستيلاء على بلادنا..!".

النبوءات الدينية:

نلاحظ في ذيوع هذه الشائعة بين الجمهور الأمريكي هواجس غريبة وشكوكاً راسخة ضد الأمم المتحدة وضد الحكومة الفدرالية نفسها، هذه الهواجس ذات علاقة وطيدة بنبوءات دينية تسيطر على عقول الأصوليين البروتستانت مصدرها تأويلات لسفر دانيال وسفر النبوءات من العهد القديم والعهد الجديد، لا مجال هنا لشرحها...

لاشك في أن للمزاج الأمريكي الجديد السائد الآن جذور نبوئية إنجيلية يروج لها جيش من الدعاة الأصوليين شرع يعمل بنشاط غير مسبوق بعد انهيار الشيوعية، فقد أحدث هذا الانهيار المفاجئ أزمة هوية حادة في المجتمع الأمريكي، فمن أين جاءت هذه الأزمة وما هي طبيعتها؟

الشيوعية:

كانت الصورة الثابتة للاتحاد السوفييتي الشيوعي – على مدى عقود من الزمن – تمثل عند الأمريكيين الشر المحض، وفي مواجهته ثبتت صورة الولايات المتحدة تجسيداً للخير المحض.. في هذه الدائرة المحكمة كانت الطاقة تنساب بتلقائية طبيعية كما ينساب التيار المغناطيسي بين القطبين السالب والموجب، ولكن باختفاء الخطر الشيوعي فجأة انكسرت هذه الدائرة وحدثت الأزمة، ومن ثم شرع الأمريكيون يبحثون عن عدو آخر يتقمص دور الشيطان الأكبر ويكون على درجة من الشر والضغينة تؤهله لكي يضطلع بدور الشيوعية التي تبخرت.

الإسلام:

كان عقد التسعينات سنوات ارتباك في أوساط الأصوليين الأمريكيين الذين أجهدوا أنفسهم في البحث عن عدو بديل مقنع ينطبق عليه نبوءة "نهاية الزمن" لتوجيه النضال النبوئي ضده.. ولم يكن الأصوليون وحدهم هم الذين يبحثون عن عدو مناسب يوجهون إليه طاقة الغضب ويعيدون به ذلك التوازن المفقود إلى دائرة الطاقة الجهنمية، فكانت أجهزة الاستخبارات في أوج نشاطها وكانت المناقشات الحامية تدور في حلف شمال الأطلنطي وفي شركات صناعة الأسلحة العملاقة، والتحق بالركب كتاب انتهازيون من أمثال صامويل هانتيجتون وفوكوياما...جاءوا يضخون أفكارهم السامة لتوجيه الانتباه إلى العدو الجديد، وكان الاتفاق مذهلاً فقد أجمع الكل على أن العدو المناسب هو الإسلام، والعرب جزء منه.

بات روبرتسون والتحالف الأصولي:

يعتبر "بات روبرتسون" مهندس الاستراتيجية الجديدة لاندفاع الأصولية البروتستانتية، وهو مع مجموعة أخرى من المفكرين الدينيين يتحملون مسئولية إحياء البارانويا التقليدية في السياسة الأمريكية التي نشهد إفرازاتها الحالية عند اليمين السياسي المتطرف الذي يحكم الولايات المتحدة، وفي ذلك يقول الكاتب الصحفي "مايكل ليند" في مقال له نشر في "نيويورك ريفيو أوف بوكس" سنة 1994 بأنه لم تظهر في التاريخ الأمريكي الحديث حركة شعبية متطرفة في السياسة الأمريكية بهذه القوة التي ظهر بها التحالف المسيحي الأصولي الذي أنشأه بات روبرتسون.

ويصف لنا المناخ الذي ساعد على انتشار هذه الحركة والتمكين لها في المجتمع الأمريكي، وهو مناخ سادت فيه الاضطرابات الاقتصادية وشاع القلق في الحياة الأسرية لهذه الأمة. وهو يعترف بأن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها أمريكا الآن أقل حدة من سابقتها التي حدثت في ثلاثينات القرن العشرين، ولكن لا ينبغي الاستهانة بحدة القلق الذي تشعر به الطبقة العاملة خصوصاً في مجال الصناعة التي أسرعت بإعادة هيكلة نفسها لتواجه المنافسات الرهيبة التي جاءت من الشرق الأقصى والعالم الثالث، فقد بدأت هذه المناطق تنتج نفس السلع بنفس الجودة ولكن بأسعار أرخص وبقدرة على الانتشار أوسع.

ولذلك يرى المراقبون أن غياب الأمن الاقتصادي مع تفكك الأسرة قد أسهما معاً في تشكيل المزاج البارانوي النبوئي خلال عقد التسعينات، حيث اشتدت المخاوف من بلقنة الولايات المتحدة وانشقاقها إلى مجموعات عرقية متنافرة، وهو هاجس أصبح يطوّق حياة الطبقة العاملة والطبقة المتوسطة الدنيا، وهما يشكلان نصف المجتمع الأمريكي، فأعضاء هاتين الطبقتين يفقدون وظائفهم بصفة مستمرة ومن ثم يسقطون فريسة للتيار الديني الأصولي.. إنهم يوجهون أصابع الاتهام إلى السلطات الفدرالية ويعتبرون الإدارة الأمريكية هي المسئولة عن سوء إدارة الاقتصاد، كما يوجهون اللوم – بنفس القدر – إلى غول التكنولوجيا الحديثة التي أسهمت في خلق الارتباك الاقتصادي وأصبحت بذلك عاملاً أكيداً في انتشار المزاج البارانوي.

نهاية الزمن:

هنا يلفت نظرنا "داميان تومسون" في كتابه "نهاية الزمن" إلى حقيقة أخرى مهمة حتى لا يتسرب إلى ظننا أن اليمين الأمريكي المتطرف مجموعة من الجهال أو ناقصي التعليم بل على العكس من ذلك تماما.. وهنا تبرز لنا حقيقة أن هؤلاء الناس من محترفي تجميع المعلومات، حيث يقضون معظم أوقاتهم يتفحصون الصحف والمجلات والأناجيل والكتب الأخرى يلتقطون المعلومات لينسجوا منها السيناريوهات المختلفة، كما أنهم يدمنون زيارة المواقع الكثيرة في شبكة الإنترنت التي تبث الشائعات والنبوءات المستندة إلى تأويلات إنجيلية مما يجعل هذه الشبكة مصدراً هائلاً لدعم أصحاب نظريات المؤامرة...








لا تعــــــــــــليق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ملكة الاحزان
مشرف سابق
مشرف سابق


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : دمنهور
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الرابعة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامة
عدد المساهمات : 4153
العمر : 27
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: رد: بارانويا السياسة الأمريكية   الخميس 14 مايو 2009, 23:18

في تحليلنا للمزاج الأمريكي الجديد نود أن نلقي الضوء على النقاط المهمة التالية:

أولاً: لاشيء يقلق سلطات الأمن الأمريكية أكثر من نمو حركات من يطلق عليهم "الألفيون" الذين يبثون أفكارهم النبوئية الآن خلال شبكة الإنترنت، وكانوا من قبل يشكلون مجموعات أو مليشيات منعزلة لا يكاد الجمهور يشعر بوجودها إلا عندما تتفجر أحداث عنف كبيرة مثل الهجوم على مبنى المخابرات العامة المركزية في أوكلاهوما، وعمليات المواجهة التي نتج عنها كارثتا "واكو" و "روبي ريدج" في التسعينات، حيث جرى عليهما تعتيم إعلامي ووصفتهما التقارير الأمنية بأنهما عمليات انتحار جماعية...

والألفيون – باختصار – هم الذين يؤمنون بأن نهاية العالم أصبحت قاب قوسين أو أدنى وأن تجلياتها مع شروق مطلع القرن الواحد والعشرين تتعاظم بشكل متسارع، وأن أبرز هذه التجليات يتمثل في تدفق يهود العالم إلى الأرض المقدسة باعتباره شرطاً أساسياً لعودة المسيح الثانية إلى الأرض، ليحكم العالم من القدس لمدة ألف عام ينشر فيها العدل والسلام والمسيحية.

وهم نبوئيون لأنهم يستمدون سيناريوهات عودة المسيح من تفسيراتهم الخاصة للكتب المقدسة.

ثانياً: مع اقتراب حلول الألفية الثالثة اشتعلت شرارة الحماس الديني في الأوساط البروتستانتية الأصولية، وظهر في الولايات المتحدة خلال العقود الثلاثة الأخيرة صحوة دينية لم يسبق لها مثيل، حيث انخرطت الكنائس في نشاط تبشيري محموم يستهدف تنصير أكبر عدد من البشر وإعادة المسيحيين المارقين إلى حظيرة الإيمان..

وكان من نتائج هذا النشاط نشوء ظواهر جديدة في المجتمع الأمريكي مثل ظاهرة "المسيحيين العائدين" "Borm again".. عرفنا منهم شخصيات كبيرة في قمة السياسة الأمريكية كالرؤساء: جيمي كارتر ورونالد ريجان وبوش الأب وبوش الابن، تصاعد التأييد في عهودهم للكيان الصهيوني والعداء للعرب والمسلمين إلى المستوى المذهل الذي نشهده اليوم.

ومن الظواهر الأخرى استحداث الكنائس لوسائل جديدة في التبشير المكثف، وتبنيها لممارسات تعبدية غريبة لاجتذاب الجماهير كما تفعل كنيسة الـ "بنتكوستليست" التي توحي لرعاياها في الصلاة بتجلي الروح القدس عليهم واتصالها بهم اتصالاً شخصياً يستشعرونه عندما تتدفق في أرواحهم كتيار سحري مفعم بالبهجة والسعادة وتستجيب أجسادهم بالرعشة والانجذاب والخفة فتصدر عنهم صيحات غريبة وقهقهات كضحك الأطفال الذين تداعبهم أمهاتهم حتى يستلقون على الأرض من فرط الانفعال.. وفي غمرة البهجة الروحية تنطلق ألسنة المتعبدين بلغات لم يعتادوا التحدث بها من قبل، وتحل في أجسادهم الروح القدس فتبرئهم من العلل والأسقام والأمراض المستعصية التي لم يجد الطب لها علاجاً.

تجتذب الكنائس في أمريكا أعداداً هائلة من البشر الهاربين من الخواء الروحي والاضطرابات النفسية والقلق الاجتماعي، الذين يتطلعون إلى بعض نسمات من النشوة الروحية والتخلص من الآلام والأمراض "النفسجسدية" التي تنغص حياتهم.

أما سر هذا النشاط الديني المحموم فهو أن هؤلاء الناس جميعاً يعتقدون أن عودة المسيح قد حان أوانها وأن احتمال وقوعها في زمنهم احتمال مرجح، وهم يريدون أن يقدموا خيراً يؤهلهم للخلاص ورضاء المسيح عليهم وصحبته في ملكوت السعادة الأبدية لذلك يسابقون الزمن ويشمرون عن سواعد الجد في هذه الفسحة الضئيلة من الزمن الذي يوشك على نهايته!

ثالثاً: برهنت كارثتا "واكو" و "روبي ريدج" على أمرين: برهنت للسلطات الأمريكية أن العنف أصبح إمكانية واردة مع ازدهار وتشعب الجماعات والمليشيات المسلحة، خصوصاً أولئك النبوئيون المتطرفون في المجتمع الأمريكي.. وبرهنت لهذه الجماعات على صحة عقائدهم، لأن التدخل المسلح من جانب السلطات في حد ذاته متوائم مع التوقعات التقليدية الواردة في نبوءاتهم، ويبدو هذا أكثر وضوحاً عند جماعة معروفة باسم "ما بعد الكارثة" –Past tribulationists كما يسمون أنفسهم أيضاً باسم "الفرقة الناجية"، هؤلاء يؤمنون بأن عليهم أن يقاتلوا قتالاً طاحناً خلال فترة الاضطراب العظيم الذي سيحل بالأرض كإرهاص ومقدمة لعودة المسيح...

(تزايد عدد المليشيات الانفصالية في الريف الأمريكي المحافظ حتى بلغ وفقاً لبعض التقديرات ثمانين ألف عضو انضم معظمهم إلى هذه المليشيات خلال عامين اثنين بين مجزرة واكو 1992م وتفجيرات أوكلاهوما1994م).

لم تخلق مجزرة واكو مناخاً جديداً فيما يتعلق بشيوع نظرية المؤامرة وموقف العداء من الحكومة الفدرالية، فقد كان هذا المناخ سائداً من قبل ولكن "واكو" أكدت هذا المناخ وعززته.. ووجد الانفصاليون في الالتحاق بالمليشيات التي تتدرب على العنف تعبيراً عن غضبهم المكبوت وشعورهم بالتهديد والتآمر المستمرين من جانب السلطات الفدرالية.

تعاظم نشاط هذه الجماعات والمليشيات خصوصاً في شمال الغرب الأمريكي على طول ساحل المحيط الهادي، وهي مناطق غابات توفر ملاذات آمنة وحصينة لهذه الجماعات الثورية الانعزالية من اليمين المتطرف.

يقول داميان تومسون في كتابه "نهاية الزمن" في تصنيفه لهذه الجماعات: "إنهم يمثلون تفكيكاً لثلاثة مدارس فكرية، فمنهم "النازيون الجدد" المعجبون بالرايخ الألماني الثالث (على عهد هتلر)، ومنهم "المسيحيون الوطنيون" الذين يستشهدون بالإنجيل والدستور الأمريكي، وإلى جانبهم يوجد عشرون ألف عضو في حركة تعرف باسم "الهوية المسيحية" تقف عقيدتهم في موقع ما بين النازيين والوطنيين، ويؤمن هؤلاء بأن الآريين البيض هم الأحفاد الحقيقيون المباشرون للقبائل الإسرائيلية القديمة، بينما اليهود هم "بذرة الشيطان" الدخيلة.. وترجع جذور هذه الجماعة إلى نهاية القرن التاسع عشر وكان يطلق عليها في ذلك الوقت اسم "البريطانيون الإسرائيليون"، عبرت هذه الجماعة خلال القرن العشرين المحيط الأطلسي لتستقر في العالم الجديد وتتخذ هوية أمريكية، وقد حملت معها كراهية شديدة لليهود.

يستطرد داميان تومسون فيوضح لنا أن هذه الاختلافات الأيديولوجية لا تمثل حاجزاً حقيقياً عند هذه الجماعات من الناحية العملية، ذلك لأن العنصر المشترك والحاسم كمؤهل للالتحاق بها هو الشعور المشترك باقتراب نهاية العالم.. والخوف من أن يقع العالم في أيدي القوى الشريرة، وهم يعتقدون أن الحكومة الفدرالية جزء من هذه القوى الشريرة..

لذلك يرى بعض المحللين أن أحد عوامل هزيمة جورج بوش الأب في انتخابات الرئاسة يرجع إلى أنه – في لحظة حماسه – أطلق عبارة "النظام العالمي الجديد" وهي عبارة سيئة السمعة في الكتابات التقليدية لأصحاب العقائد النبوئية، الذين تخلوا عن تأييده فخسر المعركة الانتخابية بعد أن خسر رصيده الذي اجتهد في بنائه فترة من الزمن باعتباره "مسيحي عائد".

حرب الثقافات:

في تحليل المزاج الأمريكي الجديد صدر كتاب بعنوان "حرب الثقافات" من تأليف جيمس دافيسون هنتر (1991م) من جامعة فيرجينيا. يرصد المؤلف فيه الانقسامات الحادة التي وقعت خلال القرن العشرين في الحياة الأمريكية العامة فمزقت الأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والمهنية، حيث تدور حرب ثقافية ضارية بين التقليديين المحافظين من ناحية وبين الليبراليين من ناحية أخرى.

ظل هذا الكتاب موضع أخذ ورد ومناقشات واسعة في الحياة الفكرية العامة لفترة طويلة. ويعتبر هذا الكتاب إطاراً فكرياً لتحليل المعارك الدائرة بين الأطراف المتعارضة حول قضايا المرأة والإجهاض والقانون، ولكنه إلى جانب هذا يلقي كثيراً من الضوء على القلق العام الذي يسيطر على كثير من الأمريكيين في السنوات الأخيرة. هذا القلق ليس صادراً عن قصور أو عدم وضوح في الرؤية، وإنما تولد من الصراع المستعر بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل أمريكا: رؤية ليبرالية ورؤية تقليدية، يحاول أصحابها كلّ من ناحيته فرضها على المواطنين وبالتالي إجبارهم على أنماط جديدة من السلوك بإزاء القضايا المطروحة، قد تكون قضية مفردة تدور حولها المعارك مثل حق المرأة في الإجهاض، أو حق الشواذ جنسياً في الالتحاق بالجيش، أو حق الزواج المثلي (الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة) أو إلغاء عقوبة الإعدام.

وقد تدور المعارك حول قضية شاملة كالإصلاح السياسي أو غير ذلك من القضايا.. حيث يشعر الملايين من الأمريكيين الذين لا ينتمون إلى أي من هذين التيارين بالتهديد الواقع عليهم من كلا الجانبين، ويرون أنفسهم في بؤرة الهدف الذي تصوب إليه سهام المتقاتلين في هذه المعارك، وهذا هو مصدر قلقهم الدائم.

كانت كارثة "واكو" تصويراً كلاسيكياً لهذا الموقف في حرب الثقافات بين مؤسسة حكومية علمانية وبين الثائرين النبوئيين، حيث يجهل كل من الطرفين العقيدة التي تحرك الآخر.

ويمكن النظر إلى كارثتي "واكو" و "وروبي ريدج" باعتبارهما معركتين ساخنتين في عملية صراع طويلة المدى، كما يمكن النظر إليهما كزلزالين عند خط الانزلاقات الأرضية الذي يشق الأمة نصفين، فهناك هوة سحيقة آخذة في الاتساع بين كل من العقيدتين المتصارعتين، يرى جيمس هنتر أن الصراع بينما ليس له نظير – من حيث الحدة والتشعب – في أي أمة أخرى.

أمامنا إذن حقيقة لا ينبغي أن نستهين بها وهي أن عوامل التفكك في المجتمع الأمريكي واقع وليس خرافة، وأن القادة الأمريكيين يدركون هذا الواقع ويحاولون احتواءه أو التقليل من مخاطره. وليس السيناريو الإمبريالي الذي تتبناه الإدارة الأمريكية الحالية مقطوع الصلة بهذه المحاولات، ذلك أن حشد الجماهير الأمريكية وراء حرب الإرهاب العالمي المزعوم من شأنه أن يجمد الصراعات الداخلية ويركز الانتباه على عدو خارجي قد يكون وهماً، ولكنه ليس هو الوهم الوحيد الذي يعشش في عقول الأمريكيين...

كانت تفجيرات أوكلاهوما هي التي نبهت الجمهور الأمريكي إلى وجود جماعات أمريكية من أشرس الأصوليين وأكثرهم تعصباً وأشدهم وطأة في العالم، وهي التي نبهت الأذهان إلى وجود مليشيات مسلحة منتشرة في 38 ولاية على الأقل.. وقد سارعت وسائل الإعلام الأمريكية بإلصاق التهمة بالإرهاب الإسلامي، وظلت كذلك معلقة في رقاب المسلمين حتى تم اكتشاف الإرهابيين الحقيقيين، وكان هذا بالصدفة المحضة وليس بالسعي والاجتهاد ولولا ذلك لبقيت مسئولية هذه الجريمة معلقة بالمسلمين إلى الأبد...

الجماعات الانفصالية:

هذه الجماعات أخذت على عاتقها تنفيذ التعديل الثاني للدستور الفدرالي الذي ينص على "أن المليشيات المنظمة تنظيماً جيداً ضرورة أمنية لأي ولاية حرة، وأن حق الناس في أن يحملوا أسلحة ويحتفظوا بها حق لا ينبغي انتهاكه"، وبسبب هذا النص الدستوري فشل الرئيس السابق بل كلينتون إقناع الكونجرس بإصدار تشريعات تحرم على الأفراد حمل الأسلحة بعد أن تعددت حوادث القتل العشوائي في المدارس وفي الأماكن العامة.

تؤمن هذه الجماعات بأن الحكومة الفدرالية حكومة فاسدة بطبعها وأن عملاءها في حكومات الولايات إرهابيون متآمرون معها ولذلك فإنهم لا يدينون بالولاء لهذه الحكومات.

تبدو هذه الظاهرة غير مفهومة.. وهي غير معروفة في العالم الخارجي بل كانت بعيدة عن بؤرة الاهتمام حتى بالنسبة للجمهور الأمريكي نفسه قبل حادثة أوكلاهوما، ولكنها خضعت للدراسة والتحليل أخيراً وأفاض في الكتابة عنها كثيرون لعل من أبرزهم "ستيفن روبنسون" الذي كتب عنها مقالاً بعنوان "الأصوليون الأمريكيون" في صحيفة "ديلي تلغراف" بتاريخ 24 إبريل 1995م، و"إيفانز بريتشارد أمبروز" الذي كتب عنها مقالاً آخر بعنوان "الحرب المقدسة" في "صنداي تلغراف (إبريل 1995)، وصدر في نفس السنة كتاب عن الموضوع نفسه بعنوان "من داخل حركة المليشيات" ألفه "وليام فولمان" الذي التقى بعدد من أعضاء هذه المليشيات وتحدث إليهم..

يصف فولمان أحدهم (يسميه مستر فليتشر) بأن كراهيته للحكومة الفدرالية تتوارى أمامها كل كراهية عرفتها في حياتي، ويكتب على لسانه يقول: " ليكن أعداؤنا على يقين بأن المتعاونين مع حركتنا موجودون في الجيش والأسطول على جميع المستويات حتى أعلى القيادات" ويضيف متنكراً: "إننا نريد أن نفهم لماذا يبني جيش الولايات المتحدة سجوناً في داخل قواعده؟ ولماذا ينزلون تحت الأرض ويضعون كاميرات في الأنفاق للمراقبة تحسباً من أن يلجأ إليها الوطنيون.. إنني أفكر في هذه الأمور منذ عشرة أعوام ولا أجد لها جواباً شافياً"...

يقول جارى ويلز في مقال له بعنوان "الثوريون الجدد": "لقد أصبحت الحكومة الفدرالية هي العدو الأول للحرية في نظر الثوار الجدد على اختلاف مواقفهم الأيديولوجية".

وبعد ..

إن الشك وانعدام الثقة في الحكومة الفدرالية والكراهية الشديدة لها تجري في أعماق قطاعات كبيرة من المجتمع الأمريكي، فلم تعد مقصورة على جماعات منعزلة أو هامشية.. كذلك فإن شيوع نظرية المؤامرة والهواجس التي تتصل بفكرة "النظام العالمي الجديد" وعودة الحماس لتأكيد حقوق الولايات واستقلالها في مواجهة الغول الفدرالي، وانتشار المليشيات المسلحة التي تعمل تحت الأرض، وانتصار اليمين الأصولي المتطرف وسيطرته الحالية على الإدارة الأمريكية والبنتاجون، كل هذه مؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت منعطفاً خطيراً في تاريخها السياسي.

ولم يعد الأمر مجرد تكهنات فقد خرجت أمريكا بعد حادثة 11 سبتمبر 2001م في حملة إمبريالية للسيطرة على العالم تحت ستار حرب الإرهاب، وحتى في داخل المجتمع الأمريكي نفسه أسفرت اليد الباطشة عن نفسها في سلسلة من القوانين الاستثنائية والإجراءات التعسفية ضد فئة من المواطنين الأمريكيين والمقيمين لمجرد أنهم مسلمون، بحجة البحث عن إرهابيين!

هذه الهستريا الهائجة والمصحوبة بنذر كارثة اقتصادية في الأفق تعزز – في نظري – فكرة "ريتشارد هوفشتاتر" بأننا نشهد اليوم نوبة جديدة عارمة من نوبات البارانويا في السياسة الأمريكية، ويبدو لي أن الذين سيدفعون فاتورة إعادة التوازن العقلي لأمريكا هم المسلمون في كل مكان، لا من ثرواتهم فحسب بل من حريتهم وثقافتهم ووجودهم..(وما يحدث الآن في فلسطين المحاصرة، وفى العراق المدمرة، وفى أفغانستان والصومال والسودان، إلا دليل على هذا الذي نزعم...).








لا تعــــــــــــليق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
برينسس الشيماء
مشرف سابق
مشرف سابق


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : دمنهور
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الثالثة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامه
عدد المساهمات : 2675
العمر : 26
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: رد: بارانويا السياسة الأمريكية   الثلاثاء 19 مايو 2009, 10:32


جزاكى الله كل خير يا ملكة على المعلومات الجامدة دى

بجد توبيك رائع ومفيد جدا وطرحه رااااااقى اوى

دمتى فى حفظ وامان الله










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ملكة الاحزان
مشرف سابق
مشرف سابق


الدولة : مصر
المحافظة : البحيرة
المدينة : دمنهور
الجامعة : الإسكندريه فرع دمنهور
الكلية : كلية الآداب
الفرقة : الرابعة
قسم : التاريخ
الشعبة : عامة
عدد المساهمات : 4153
العمر : 27
الجنس : انثى

مُساهمةموضوع: رد: بارانويا السياسة الأمريكية   الأربعاء 20 مايو 2009, 19:59

لك شكر على متابعة والمرور المميز اسعدت بزيارتك








لا تعــــــــــــليق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
بارانويا السياسة الأمريكية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
آداب دمنهور :: منتديات التاريخ العام :: منتدى التاريخ الحديث-
انتقل الى: